فمِن تمام نعمة الله على آدم وذريَّته أنْ أراهم ما فعَل العدوُّ بهم وبأبيهم فاستعدُّوا له وأخذوا أُهْبتَه.
فإن قيل: كان من الممكن أن لا يسلِّط عليهم العدوَّ.
قيل: قد تقدَّم أنه سبحانه خلق آدمَ وذريَّته على بِنْيةٍ وتركيبٍ مستلزمٍ لمخالطتهم لعدوِّهم وابتلائهم به، ولو شاء لخلقَهم كالملائكة الذين هم عقولٌ بلا شهوات، فلم يكن لعدوِّهم طريقٌ إليهم، ولكن لو خُلِقوا هكذا لكانوا خلقًا آخرَ غيرَ بني آدم؛ فإنَّ بني آدم قد رُكِّبوا على العقل والشَّهوة.
* وأيضًا؛ فإنه لما كانت محبةُ الله وحده هي غاية كمال العبد وسعادته التي لا كمال له ولا سعادة بدونها أصلًا، وكانت المحبةُ الصادقةُ إنما تتحقَّقُ بإيثار المحبوب على غيره من محبوبات النفوس، واحتمال أعظم المشاقِّ في طاعته ومرضاته، فبهذا تتحقَّق المحبةُ ويُعْلَمُ ثبوتهُا في القلب = اقتضت حكمتُه سبحانه إخراجَهم إلى هذه الدَّار المحفوفة بالشهوات ومحابِّ النفوس، التي بإيثار المحبوب الحقِّ عليها والإعراض عنها
يتحقَّقُ حبُّهم له وإيثارهم إيَّاه على غيره.
وكذلك بتحمُّل المشاقِّ الشديدة، وركوب الأخطار، واحتمال المَلامة، والصبر على دواعي الغيِّ والضلال، ومجاهدتها = يقوى سلطانُ المحبة، وتثبُت شجرتهُا في القلب، وتَعْظُم ثمرتهُا على الجوارح؛ فإنَّ المحبة الثابتة اللازمة على كثرة الموانع والعوارض والصَّوارف هي المحبةُ الحقيقيةُ النافعة، وأمَّا المحبةُ المشروطة بالعافية والنعيم واللذَّة وحصول مراد المحبِّ من محبوبه فليست محبةً صادقة، ولا ثباتَ لها عند المعارضات والموانع؛ فإنَّ المعلَّق على الشرط عدمٌ عند عدمه، ومَنْ وَدَّك لأمرٍ ولَّى عند انقضائه.
وفرقٌ بين من يعبدُ الله على السرَّاء والرخاء والعافية فقط، وبين من يعبده على السرَّاء والضرَّاء، والشدَّة والرخاء، والعافية والبلاء.