* وأيضًا؛ فإنه سبحانه أراد أن يعرِّف عبادَه الذين أنعم عليهم تمامَ نعمته عليهم، ويعرِّفهم قَدْرَها؛ ليكونوا أعظم محبةً له، وأكثر شكرًا، وأعظمَ التذاذًا بما أعطاهم من النعيم؛ فأراهم سبحانه فِعْلَه بأعدائه، وما أعدَّ لهم من العذاب وأنواع الآلام، وأشهَدَهم تخليصَهم من ذلك، وتخصيصَهم بأعلى أنواع النعيم؛ ليزداد سرورُهم، وتكمُل غبطتُهم، ويعظُم فرحُهم، وتتمَّ لذتهُم، وكان ذلك من إتمام الإنعام عليهم ومحبَّتهم.
ولم يكن بدٌّ في ذلك من إنزالهم إلى الأرض وامتحانهم واختبارهم، وتوفيق من شاء منهم رحمةً منه وفضلًا، وخذلان من شاء حكمةً منه وعدلًا، وهو العليم الحكيم.
ولا ريب أن المؤمنَ إذا رأى عدوَّه وعدوَّ محبوبه- الذي هو أحبُّ الأشياء إليه- في أنواع العذاب والآلام، وهو يتقلَّبُ في أنواع النعيم واللذة = ازدادَ بذلك سرورُه، وعَظُمَت لذتُه وكَمُلت نعمتُه.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه إنما خلق الخلق لعبادته، وهي الغايةُ المطلوبة منهم، قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } [الذاريات: 56] .
ومعلومٌ أن كمال العبودية المطلوبَ من الخلق لا يحصُل في دار النعيم والبقاء، إنما يحصُل في دار المحنة والابتلاء، وأما دار البقاء فدار لذَّةٍ ونعيم، لا دار ابتلاءٍ وامتحان وتكليف.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه اقتضت حكمتُه خلقَ آدم وذريَّته في تركيبٍ مستلزم لداعي الشَّهوة والغضب، وداعي العقل والعلم؛ فإنه سبحانه خلق فيه العقل والشَّهوة ونَصَبَهما داعيَين لمقتضياتهما؛ ليتمَّ مراده، ويظهر لعباده عزَّته في حكمته وجبروته، ورحمته وبرِّه، ولطفه في سلطانه وملكه.
فاقتضت حكمتُه ورحمتُه أنْ أذاقَ أباهم وَبِيلَ مخالفته، وعرَّفه ما تجني عواقبُ إجابة الشَّهوة والهوى؛ ليكون أعظم حذرًا فيها وأشدَّ هروبًا.
وهذا كحال رجل سائرٍ على طريقٍ قد كَمَنت الأعداءُ في جَنَباته، وخلفه وأمامه، وهو لا يشعرُ بها، فإذا أصيب منها مرةً بمصيبةٍ استعدَّ في سيره، وأخذ أُهْبَةَ عدوِّه، وأعدَّ له ما يدفعُه به. ولولا أنه ذاق ألم إغارة عدوِّه عليه وتبييته له لما سمحت نفسُه بالاستعداد والحذر وأخذ العُدَّة.