ومعنى قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى} أي: فإن يأتكم مني شريعة ورسول وبيان ودعوة.
{فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ} أي: قبل أمري واتبع ما آمر به، فلا خوف عليه في الآخرة ولا حزن.
والخطاب لآدم وحواء وذريتهما، أعلمهم أنه يبتليهم بالطاعة ويجازيهم بالجنة عليها، وبالنار على تركها، وأن هذا الابتلاء وقع عند الهبوط إلى الأرض.
وقوله تعالى: {هُدَايَ} فتحت (الياء) فيه، لأنها أتت بعد ساكن، وأصلها الحركة التي هي الفتح، والأصل أن تقول: (غلامي) فتفتح (الياء) ، لأنها حرف في موضع اسم مضمر منع الإعراب فألزم الحركة،
كما ذكرنا في قوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] فيمن فتح (الياء) .
وحذف الحركة جائز لأن (الياء) من حروف المد واللين، وفي {هُدَايَ} سكن ما قبلها، ولم يكن بد من تحريكها، فجعل حظها ما كان لها في الأصل من الحركة وهو الفتح.
وروى ابن الأنباري أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ} قال: وهي لغة طيئ، يقولون: هذه عصيَّ ورحَيَّ.
وقرأ ابن أبي إسحاق: {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} [طه: 18] وقال أبو ذؤيب:
تَرَكُوا هَوَيَّ وَأَعْنَقُوا لِهَواهُمُ ... فَتُخُرِّمُوا وَلِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ
وقال آخر:
يُطَوَّفُ بِي عِكَبٌّ فِي مَعَدٍّ ... وَيَطْعَنُ بِالصُّمُلَّةِ فِي قَفَيَّا
فَإِنْ لَمْ تَثْأَرُوا لِي مِنْ عِكَبٍّ ... فَلَا أَرْوَيْتُم أبَدًا صَدَيَّا
وقال أبو دواد:
فَأَبْلُونِي بَلِيَّتكُم لَعَلِّي ... أُصالِحُكُم وأَسْتَدْرِجْ نَوَيَّا