وجواب ثان ينبئ عليه ما تقدم فيكون جوابا واحدا وهو ان اتبع مزيد منبئ عن التعمل والعلاج كما تقدم ولا يفهم ذلك من تبع الذي هو الأصل وإنما ينبئ فِي الأظهر عن قضية يتلو فيها التابع المتبوع متقيدا به فِي فعله من غير كبير تعمل ولا علاج وكل من العبارتين أعنى تبع واتبع إنما يستعمل فِي الغالب حيث يراد مقتضاه مما بينا ، ألا ترى قول الخليل عليه السلام فِي اخبار الله تعالى عنه:"فمن تبعنى فإنه منى"حين أشار بقوله"فإنه منى"إلى الخاصة من سالكى سبيله باتباعه القديم ، فعبر بما يشير إلى غاية التمسك والقرب حين قال:"منى"فناسب ذلك قوله:"تبعنى"يريد الجرى على مقتضى الفطرة وميز الحق بديها بسابقة التوفيق من غير إطالة نظر من حال هؤلاء من قيل فيه:"ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله"وهذه الآية وأمثالها مراد بها من تعامى عن النظر فِي الدلالات وترك واضح الاعتبار وحمل نفسه بقدر الله على ما لا يشهد له نظر ولا يقوم عليه برهان فكأن هؤلاء تعلموا فِي ذلك وعالجوا أنفسهم حتى انقادت طباعهم إلى غير ما تشهد به من الفطرة ولذلك استعير لمن جرى على حال هؤلاء البيع والشراء فقيل:"أولئك الذين اشروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم"لما كان ما بسط من الدلائل ونصب من الآيات والشواهد واضحا وكانوا ذوى أسماع وأبصار وأفئدة فما اعتبروا ولا أجدت عليهم كان سلوكهم سبل الغى والضلال تعملا وتركا للرشد على بصيرة ولذلك أخبر الله تعالى عن حال هؤلاء فِي فعلهم ومرتكبهم بالجحود فسماه بهذا فِي قوله تعالى:"فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله".