ويوحي قول الملائكة هذا بأنه كان لديهم من شواهد الحال، أو من تجارب سابقة فِي الأرض، أو من إلهام البصيرة، ما يكشف لهم عن شيء من فطرة هذا المخلوق، أو من مقتضيات حياته على الأرض؛ وما يجعلهم يعرفون أو يتوقعون أنه سيفسد فِي الأرض، وأنه سيسفك الدماء .. ثم هم - بفطرة الملائكة البريئة التي لا تتصور إلا الخير المطلق، وإلا السلام الشامل - يرون التسبيح بحمد الله والتقديس له، هو وحده الغاية المطلقة للوجود، وهو وحده العلة الأولى للخلق .. وهو متحقق بوجودهم هم، يسبحون بحمد الله ويقدسون له، ويعبدونه ولا يفترون عن عبادته!
لقد خفيت عليهم حكمة المشيئة العليا، فِي بناء هذه الأرض وعمارتها، وفي تنمية الحياة وتنويعها، وفي تحقيق إرادة الخالق وناموس الوجود فِي تطويرها وترقيتها وتعديلها، على يد خليفة الله فِي أرضه. هذا الذي قد يفسد أحياناً، وقد يسفك الدماء أحيانا، ليتم من وراء هذا الشر الجزئي الظاهر خير أكبر وأشمل. خير النمو الدائم، والرقي الدائم.
خير الحركة الهادمة البانية. خير المحاولة التي لا تكف، والتطلع الذي لا يقف، والتغيير والتطوير فِي هذا الملك الكبير.
عندئذ جاءهم القرار من العليم بكل شيء ، والخبير بمصائر الأمور:
{قال: إني أعلم ما لا تعلمون} ..
{وعلم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة، فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا. إنك أنت العليم الحكيم. قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم. فلما أنبأهم بأسمائهم، قال: ألم أقل لكم: إني أعلم غيب السماوات والأرض، وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} ..