قَالَ: «وَإِنَّمَا يَقُولُ «الْعَفْوُ» لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ ذَنْبٍ مَنْ لَمْ يعرف كلام العرب قال: وَمَعْنَى «عَفَا» اللَّهُ عَنْكَ» أَيْ لَمْ يُلْزِمْكَ ذنبا».
قال الداودي: «روي أنها كانت تكرمة» .
قال مَكِّيٌّ: «هُوَ اسْتِفْتَاحُ كَلَامٍ مِثْلَ - أَصْلَحَكَ اللَّهُ - وَأَعَزَّكَ»
وَحَكَى السَّمَرْقَنْدِيُّ: «أَنَّ مَعْنَاهُ - عَافَاكَ اللَّهُ - » ..
وأما قوله في أسارى بدر: «ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى» الآيتين. فَلَيْسَ فِيهِ إِلْزَامُ ذَنْبٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ..
بَلْ فِيهِ بَيَانُ مَا خُصَّ بِهِ وَفُضِّلَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ. فَكَأَنَّهُ قال: ما كان هذا لنبي غيرك
كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ .. وَلَمْ تَحِلَّ لِنَبِيٍّ قَبْلِي» .
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: «تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا» الْآيَةَ؟
قِيلَ: الْمَعْنَى الْخِطَابُ لِمَنْ أَرَادَ ذَلِكَ منهم، وتجرّد غرضه لعرض الدُّنْيَا وَحْدَهُ وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهَا. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عِلْيَةَ أَصْحَابِهِ بَلْ قَدْ رُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ: «أَنَّهَا نَزَلَتْ حِينَ انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ وَاشْتَغَلَ النَّاسُ بِالسَّلْبِ وَجَمْعِ الْغَنَائِمِ عَنِ الْقِتَالِ حَتَّى خَشِيَ عُمَرُ أَنْ يَعْطِفَ عَلَيْهِمُ الْعَدُوُّ» .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: «لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ» .
فَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ ..
فَقِيلَ: مَعْنَاهَا: «لَوْلَا أَنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنْ لَا أُعِذِّبَ أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ النَّهْيِ لَعَذَّبْتُكُمْ .. فَهَذَا يَنْفِي أن يكون أمر الأسرى معصية» .
وَقِيلَ الْمَعْنَى: «لَوْلَا إِيمَانُكُمْ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ الْكِتَابُ السَّابِقُ فَاسْتَوْجَبْتُمْ بِهِ الصَّفْحَ لَعُوقِبْتُمْ عَلَى الْغَنَائِمِ» .
ويزداد هَذَا الْقَوْلُ تَفْسِيرًا وَبَيَانًا.
بِأَنْ يُقَالَ: «لَوْلَا مَا كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِالْقُرْآنِ وَكُنْتُمْ مِمَّنْ أُحِلَّتُ لَهُمُ الْغَنَائِمُ لَعُوقِبْتُمْ كَمَا عُوقِبَ مَنْ تَعَدَّى» .