وَقَدْ مَالَ إِلَى هَذَا عَظِيمٌ مِنَ المحققين من أئمتنا وهو أبو المظفر الإسفرائيني وَلَمْ يَرْتَضِهِ غَيْرُهُ مِنْهُمْ .. وَلَا أَرْتَضِيهِ. وَلَا حُجَّةَ لِهَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ فِي قَوْلِهِ «إِنِّي لَا أَنْسَى وَلَكِنْ أُنَسَّى» .. إِذْ لَيْسَ فِيهِ نَفْيُ حُكْمِ النِّسْيَانِ بِالْجُمْلَةِ وَإِنَّمَا فِيهِ نَفْيُ لَفْظِهِ .. وَكَرَاهَةُ لَقَبِهِ
كَقَوْلِهِ: «بِئْسَمَا لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نسيت آية كذا ولكنه نُسِّيَ» .. أَوْ نَفْيُ الْغَفْلَةِ وَقِلَّةِ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الصَّلَاةِ عَنْ قَلْبِهِ لَكِنْ شُغِلَ بِهَا عَنْهَا وَنَسِيَ بَعْضَهَا بِبَعْضِهَا كَمَا تَرَكَ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا وَشُغِلَ بِالتَّحَرُّزِ مِنَ الْعَدُوِّ عَنْهَا فَشُغِلَ بِطَاعَةٍ عَنْ طَاعَةٍ
وَقِيلَ: «إِنَّ الَّذِي تُرِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ الظهر والعصر والمغرب والعشاء» .
وَبِهِ احْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ فِي الْخَوْفِ إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ أَدَائِهَا إِلَى وَقْتِ الْأَمْنِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّامِيِّينَ وَالصَّحِيحُ أَنَّ حُكْمَ صَلَاةِ الْخَوْفِ كَانَ بَعْدَ هَذَا فَهُوَ نَاسِخٌ لَهُ ..
فَإِنْ قُلْتَ فَمَا تَقُولُ فِي نَوْمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْوَادِي وَقَدْ قَالَ: «إِنَّ عَيْنِي تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» .
فَاعْلَمْ أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ أَجْوِبَةً ..
مِنْهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بأن هذا حكم قلبه عند نومه وغيبته فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ .. وَقَدْ يَنْدُرُ مِنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ .. كَمَا يَنْدُرُ مِنْ غَيْرِهِ خِلَافُ عَادَتِهِ.
وَيُصَحِّحُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أرواحنا» وقول بلال: «مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ.
وَلَكِنْ مِثْلُ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ مِنْهُ لِأَمْرٍ يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنْ إِثْبَاتِ حُكْمٍ وَتَأْسِيسِ سُنَّةٍ وَإِظْهَارِ شرع.
وكما قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَيْقَظَنَا وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ» .