ومن هنا أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم بالازدياد منه حيث قال {وقل رب زدني علماً} [طه: 114] . ولم يكتف نبي الله موسى عليه السلام بما علم بل قال للخضر {هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً} [الكهف: 66] ولم يفتخر سليمان بالمملكة العظيمة بل افتخر بالعلم {علمنا منطق الطير} [النمل: 16] ولولا شرف العلم لم يكن للهدهد مع ضعفه أن يتكلم بحضرة سليمان بقوله {أحطت بما لم تحط به} [النمل: 22] وهكذا الرجل الساقط إذا تعلم العلم صار نافذ القول على السلاطين ، وما ذاك إلا ببركة العلم . ومنها أنه صلى الله عليه وسلم قال"تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة"وذلك أن التفكر يوصلك إلى الله ، والعبادة توصلك إلى ثواب الله . وأيضاً التفكر عمل القلب والعبادة عمل الجوارح . ومنها أن سائر كتب الله ناطقة بفضل العلم ، أما التوراة فقال لموسى: عظم الحكمة فإني لا أجعل الحكمة فِي قلب عبد إلا وأردت أن أغفر له . فتعلمها ثم اعمل بها ثم ابذلها كي تنال بذلك كرامتي فِي الدنيا والآخرة . وأما الزبور فقال سبحانه لداود: قل لأحبار بني إسرائيل ورهبانهم حادثوا من الناس الأتقياء ، فإن لم تجدوا فيهم تقياً فحادثوا العلماء ، فإن لم تجدوا عالماً فحادثوا العقلاء ، فإن التقي والعلم والعقل ثلاث مراتب ، ما جعلت واحدة منهن فِي أحد من خلقي وأنا أريد هلاكه ، وإنما قدم سبحانه التقى على العلم ، لأن التقى لا يوجد بدون العلم كما بينا من أن الخشية لا تحصل إلا مع العلم ، والموصوف بالأمرين أشرف من الموصوف بأمر واحد ، ولهذا السر أيضاً قدم العالم على العاقل لأن العالم لا بد وأن يكون عاقلاً ، وأما العاقل فقد لا يكون عالماً ، فالعقل كالبذر والعلم كالشجر والتقوى كالثمر . وأما الإنجيل فقد قال عز من قائل فِي السورة السابعة عشرة منه: ويل لمن سمع العلم فلم يطلبه كيف يحشر مع الجهال إلى النار؟ اطلبوا العلم وتعلموه فإن العلم إن لم يسعدكم