فالعلم الضروري هو الحاصل لكل الناس في أحوالهم العادية، وهو ما أنزل على صورته الشرائع السماوية من الله - عز وجل - حيث كانت مرسلةً على خطاب يعيه الذكيُّ والغبي، وينتفع به العالمُ والبليد، فخاطب الأنبياءُ جميعَ طبقات الناس باختلاف مقاماتهم، الفكرية والسياسية والاقتصادية، فكانت أصول الدين حجةً على كل ذي عقل بالغ، مهما كانت مرتبة فهمه؛ لأن الضروري من البديهي، وهو ما لا يُحتاج فيه إلى تقديم مقدمة [22] ، فهو يُتحصل عليه بسهولة، وبلا تعقيد، ولا حاجة إلى تأمل وتحليل واستنتاج [23] ، ومن العلم الضروري إدراك حرق النار، وعلو السماء، ونور الشمس، والعلم بأن الله خالق الكون.
أما النظري، فمنه تفاصيل العبادات من أركانٍ وشروط، وفهم مسائل النحو، وتحاليل المركبات، وغيرها من مسائل العلوم الدقيقة.
والعلم من وجه آخر ضربان، هما: النظري والعملي [24] .
فالنظري: ما إذا عُلِم فقد كَمَل، نحو العلم بموجودات العالم.
والعملي: ما لا يتم إلا بأن يعمل، كالعلم بالعبادات.
كما يسمى النظري بالاكتسابي، وهو نوعان: عقلي وسمعي:
فالعقلي: ما يحصل بالتأمل والنظر بمجرد العقل، كالعلم بحدوث العالم، وثبوت الصانع، وبوحدانيته وقِدَمِه.
والسمعي: ما لا يحصل بمجرد العقل؛ بل بواسطة، كالعلم بالحلال والحرام، وسائر ما شرع من الأحكام.
ومن الأقسام: العلم الفعلي: هو كليٌّ يتفرع عليه الكثرة، وهي أفراده الخارجية التي استفيد منها.
العلم الانفعالي: هو كلي يتفرع عن الكثرة، وهي أفراده الخارجية التي استفيد منها أيضًا.
مراتب وضوابط العلم:
للعلم مراتبُ تتعدد حسب حيثيات متنوعة، تتأثر بالاتجاهات الفكرية الصادرة عنها، غيرَ أنه هنا تُعرض على أساس وصول المعلومة للنفس المدركة.
مراتب العلم:
العالم الخارجي هو علة العلم، والحواس هي الوسيلة الوحيدة للنفس المدركة للاتصال بالوجود المشهود؛ فعليه أول مراتب وصول العلم هو الإحساس، وهو انفعال الحواس مع المحسوسات، بالتلقي للمعطيات الحسية، الناتجة عن المؤثرات الحسية.