الخلافة والتدبير في السياسة يتوقف عَلَى هذا الإنباء المشعر بالوقوف والمعرفة الْمَذْكُورة
فإذا عجزتم عن ذلك ظهر أن الاستحقاق لكم في الخلافة فضلًا عن رجحانكم عَلَى نوع
بني آدم في ذلك، وهذا التقرير واضح من كلام الْمُصَنّف فحِينَئِذٍ ارتباط الآمر بالإنباء بقوله
إنْ كُنْتُمْ ظَاهر باهر كنارٍ عَلَى عَلَمٍ، وأرباب الحواشي قَالُوا وقد صعب ذلك عَلَى كثير من
الْمُفَسّرينَ حتى قيل (إنْ كُنْتُمْ صَادقينَ) في زعمكم أني لا أخلق خلقًا أعلم
منكم. وقيل إنْ كُنْتُمْ صَادقينَ في الإنباء فأنبئوني إلَى غير ذلك.
قوله: (أو أن خلقهم) أي نوع آدم (واستخلافهم) أي في الْأَرْض (و) الحال أن(هذه
صفتهم)أي الإفساد والشرك في الْأَرْض وسفك الدماء فيها (لا يليق بالحكيم) بناء عَلَى
ظننا لكن له تَعَالَى حكمة بالغة وفَائدَة فائقة لا لعلمها، وهذا مرادهم كَمَا سَبَقَ تحقيقه
وسيجيء الإشَارَة إليه فلا شيء صدر منهم ينافي عصمتهم وبملاحظة ما ذكرنا ظهر ضعف
ما قاله النحرير التفتازاني: إن معناه إنْ كُنْتُمْ صَادقينَ في زعمكم هذا فقد ادعيتم العلم بكثير
من خفيات الأمور، فأنبئوني بهذه الأسماء فإنها ليست في ذلك الخفاء. أما أولا فلأنهم لم
يدعوا ذلك بل مرادهم إظهار العجز وعدم الاطلاع عَلَى الْحكْمَة التي بهرت تلك المفاسد
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: قد يتعلق إليه ونظيره رجوع التَّكْذيب في قَوْله تَعَالَى(إذَا جَاءَكَ الْمُنَافقُونَ قَالُوا
نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه وَاللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافقينَ لَكَاذبُونَ)
إلى خبر كاذب تضمنه قولهم إنك لرسول الله. وهو أن شهادتنا هدتنا هذه عن صميم قلوبنا بشهادة
أن واسمية الْجُمْلَة لا إلَى نفس قولهم إنك لرسول الله لكونه خبرًا صادقًا مطابقًا للواقع. فسر رحمه
الله متعلق الصدق عَلَى وَجْهَيْن لكن الوجه الأول ينبئ عن الحسد والثاني عن الاعتراض في حكم
الحكيم وهذا يناقذ ما ذكره من أن قولهم (أتجعل فيها) تعجب واستخبار، وليس هذا [باعتراض]
ولا طعن، فإنهم أعلى من أن يظن لهم ذلك، ومن الثاني بعضهم ما قال معناه (إنْ كُنْتُمْ صَادقينَ)
فيما زعمتم أني أستخلف من غالب حالة الإفساد وسفك الدماء من غير أن يكون فيه
ما يصلح لأن يستخلف لأن ذلك الاستخلاف إنما يصلح مانعًا من الاستخلاف إذا لم يكن معه ما
يسلب التعجب ومنافع راجحة عَلَى هذه المفسدة، ثم قال فإن قلت: هذا ينافي ما سبق من أنهم
عرفوا ذلك بإحبار من الله تَعَالَى أو من جهة اللوح أو نحو ذلك، فإنه صريح في كونهم صَادقينَ؟
قلت الْمُرَاد بذلك مجرد كون بي آدم من يصدر عنهم الفساد والقتل لا هُوَ مع ما فيه من الفوائد
العملية التي هي أصول المنافع كلها، وبما يستأهلون أن يستخلفوا في الْأَرْض؛ إذ لو علموا هذا أَيْضًا
لما تعجبوا من استخلافهم، ثم قال فإن قلت: فما وجه ارتباط الأمر بالإنباء بهذا الشرط؟ وما معنى إن
كنتم صَادقينَ فيما زعمتم فأَنْبئُوني بأَسْمَاء هَؤُلَاء؟ قلت معناه إنْ كُنْتُمْ صَادقينَ فيما زعمتم من
خلوهم عن المنافع والْأَسْباب الصالحة للاستخلاف فقد ادعيتم العلم بكثير من خفيات الأمور
فأنبئوني بهذه الأسماء فإنها ليست في ذلك الخفاء. أقول: لا يستلزم زعمهم خلو آدم عن المنافع
والْأَسْباب الصالحة الموجبة للاستخلاف أن يعتقدوا أنهم أعلم منهم بكثير من الحقائق. نعم ليستفاد
من مجموع قولهم (أَتَجْعَلُ فيهَا مَنْ يُفْسدُ فيهَا وَيَسْفكُ الدّمَاءَ) قوله:(وَنَحْنُ نُسَبّحُ
بحَمْدكَ وَنُقَدّسُ لَكَ)أنهم زعموا أنهم أفضل منه لا من مجرد قولهم(أَتَجْعَلُ فيهَا
مَنْ يُفْسدُ فيهَا وَيَسْفكُ الدّمَاءَ)وقال الواحدي إن تقديره إنْ كُنْتُمْ صَادقينَ أني لا