الأول: من لا يعتقد اعتقادا لا صالحا ولا طالحا، فأمره فِي إرشاده سهل، إذ كان له طبع سليم، فإنه كلوح أبيض لم يشغله نقش، وكأرض بيضاء لم يلق فيها بذر، ويقال له باعتبار العلم النظري: غفل، وباعتبار العلم العملي: غمر، ويقال له: سليم الصدر.
والثاني: معتقد لرأي فاسد لكنه لم ينشأ عليه ولم يترب به، واستنزاله عنه سهل وإن كان أصعب من الأول فإنه كلوح يحتاج فيه إلى محو وكتابة، وكأرض يحتاج فيها إلى تنظيف، ويقال له: غاو وضال.
والثالث: معتقد لرأي فاسد قد (ران على قلبه) ، وتراءت له صحته فركن إليه لجهله وضعف نحيزته، فهو ممن وصفه الله تعالى بقوله: (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون(22)
فهذا ذو داء أعيا الأطباء فما كل داء له
دواء، فلا سبيل إلى تهذيبه وتنبيهه، كما قيل لحكيم يعظ شيخا جاهلا: ما
تصنع، فقال: أغسل مسحا لعله يبيض.
والرابع: معتقدا اعتقادا فاسدا عرف فساده، أو تمكن من معرفته، لكنه اكتسب دنية لرأسه، وكرسيا لرئاسته، فهو يحامي عليها فيجادل بالباطل ليدحض به الحق، ويذم أهل العلم ليجر إلى نفسه الخلق، ويقال له: فاسق ومنافق، وهو من الموصوفين بالاستكبار والتكبر فِي نحو قوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم)
وقوله: (فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون(22)
فنبه تعالى أنهم ينكرون ما يقولونه ويفعلونه لمعرفتهم ببطلانه، ولكن
يستكبرون عن التزام الحق وذلك حال إبليس فيما دعي إليه من السجود لآدم - عليه السلام - .
والجنون: هو عارض يغمر العقل.
والحمق: قلة التنبه لطريق الحق، وكلاهما يكونان تارة خلقة وتارة يكونان عارضا، وقد عظم الحمق ما لم يعظم الجنون. وقد قصد الشاعر (ذلك) فِي قوله:
لكل داء دواء يستطب به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها