ومنها أنهم قالوا ذلك عن اليقين ، ويروى عن ابن مسعود وناس من الصحابة ، وذلك أنه تعالى لما قال للملائكة: إني جاعل فِي الأرض خليفة ، قالوا: ربنا وما يكون الخليفة؟ قال يكون له ذرية يفسدون فِي الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً . فعند ذلك قالوا: ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ أو أنه تعالى كان قد أعلم الملائكة أنه إذا كان فِي الأرض خلق عظيم أفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، أو لأنه لما كتب القلم فِي اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة فلعلهم طالعوا اللوح فعرفوا ذلك ، أو لأن معنى الخليفة إذا كان النائب لله فِي الحكم والقضاء والاحتياج إلى الحاكم إنما يكون عند التنازع والتظالم ، كان الإخبار عن وجود الخليفة إخباراً عن وقوع الفساد والشر بطريق الالتزام وقيل: لما خلق الله النار خافت الملائكة خوفاً شديداً فقالوا: لم خلقت هذه النار؟ قال: لمن عصاني من خلقي . ولم يكن يومئذ لله خلق إلا الملائكة ، ولم يكن فِي الأرض خلق ألبتة . فلما قال: إني جاعل فِي الأرض خليفة ، عرفوا أن المعصية منهم تظهر . وأما قصة إبليس وهاروت وماروت فسيجيء الكلام فيها . واختلف الناس فِي أن الملائكة لهم قدرة على المعاصي والشرور أم لا . فالفلاسفة وكثير من أهل الجبر قالوا: إنهم خير محض ولا قدرة لهم على الشر . والمعتزلة أثبتوا لهم قدرة على الأمرين ، لأن قولهم {أتجعل} إما معصية أو ترك الأولى ، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل ، وأيضاً قال تعالى {ومن يقل منهم إني إلّه من دونه فذلك نجزيه جهنم} [الأنبياء: 29] وهذا يقتضي كونهم مزجورين . وقال {لا يستكبرون عن عبادته} [الأنبياء: 19] والمدح بترك الاستكبار إنما يحسن لو كان قدراً على الاستكبار . ويمكن إلزامهم بأن الثواب عندهم واجب على الله فيمتنع عليه تركه مع أنه يستحق المدح على الثواب . والواو فِي {ونحن نسبح} للحال كقولك"أتحسن إلى فلان وأنا أحق بالإحسان"والتسبيح تبعيد