ومعنى الآية: أن الله لا يمتنع من أن يضرب الأمثال، كيفما كانت {بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} أي فوقها في الحجم كالذباب والعنكبوت وغيرهما، أو في المعنى، وإِن دق الممثَّل به
وصغر عن البعوض فإن في ضرب المثل ابرازا للمعقول في صورة المشاهد المحس؛ ليساعد
على الفهم.
وقد شاعت الأمثال في الكتب الإلهيه، وعبارات الحكماء والبلغاء لذلك، فيمثل الحقير بالحقير، كما يمثل العظيم بالعظيم. ولا يقدح هذا التمثيل في عظمة من قاله.
والقرآن الكريم. لم ينفرد بذكر أمثال هذه الحشرات. فقد ورد ذكرها في العهد القديم
أكثر من مرة. ومن ذلك ما جاءَ في سفر يشوع إصحاح 24 الفقرة 12 -"وأُرسلت قدامكم"
الزنابير وطردتهم من أمامكم"- وتكرر ذلك في سفر الخروج 23 - 18 وسفر التثنية 7 - 30."
ومن كلام العرب:"أَسْمَعُ من قُرادٍ، وأَطيَش من فَراشَةٍ". ولا شك أَن قدرة الله تتجلى في الذرة كما تتجلى في المجرة.
وقد روعي في التعبير بكلمة: بعوضة، المبالغة في الرد على ما نطقوا به في معارضتهم؛ إذ المذكور في تمثيل القرآن. هو الذباب لا البعوض، والبعوض أصغر من الذباب.
ثم بين الله حال المؤمنين والكافرين - إزاء هذا التمثيل - فقال جل شأنه: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا} .
{الحَقٌ} : الأمر الثابت الذي لا يسوغ إنْكارُهُ، أي: فأَما المؤْمنون، فيعلمون أن المثل هو الأمر الثابت {مِن رَّبِّهِمْ} الذي يضرب الأمثالَ بم ليعينهم على فهم المعافى الصحيحة.
{وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا} :
كان الظاهر أن يقال: وأما الذين كفروا فلا يعلمون أنه الحق من ربهمِ، ليطابق
مقابله، وهو قوله سابقا: {فَيَعْلَمُونَ} الخ ... ولكن عدل عنه إلى: {فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا} لحكاية ما قالوا، وهو مستلزم لجهلهم وعدم علمهم، وذلك أَبلغ؛ لأن قولهم هذا، كالبرهان على كمال جهلهم؛ ففيه نفى العلم مع إثبات دليله.