ولذلك يجاب بالفاء. قال سيبَوَيْه: أما زيد فذاهب معناه، مهما يكن من شيء فزيد ذاهب، أي
هو ذاهب لا محالة وأنه منه عزيمة، وكان الأصل دخول الفاء عَلَى الْجُمْلَة لأنها الْجَزَاء، لكنهم
كرهوا إيلاءها حرف الشرط) أما حرف لا اسم أشار به إلَى رد كونه اسمًا كما ذهب إليه
البعض كما يوهمه تفسيرهم لها بمهما. قيل ولم يذهب إلَى اسميتها أحد ممن يعتد به من
أهل العربية فنقله، والْقَوْل بأنه عبر بعضهم بالكلمة عنها ليَشْمَله لا وجه له، والخلاف في
حرفيتها واسميتها ليس بمَشْهُور بل الخلاف في أنها موضوعة للشرط أو قائمة مقام ما وضع
له، فإلى الأول ذهب ابن الحاجب، وإلى الثاني ذهب صاحب الكَشَّاف، واختاره المصنف حيث
قال ويضمن معنى الشرط، والْمُرَاد بالشرط فعل الشرط أعني يكن من شيء ويتضمن أَيْضًا
معنى الابتداء ولذلك لزمها لصوق الاسم اللازم للمبتدأ قضاء لحق ما كان وإبقاء له بقدر
الإمكان، ولعل المصنف إنما لم يتعرض له لعدم تعلق الغرض به. أعني بيان كونه مؤكدًا لما به
صدر. وجه التَّأْكيد أن معنى قولنا مهما يكن من شيء أن يكن بمعنى التام أي أن يقع في
الدُّنْيَا شيء يقع معه ذهاب زيد مثلًا، ومعلوم أن الدُّنْيَا ما دامت باقية يقع فيها شيء ألبتة فيقع
ذهاب زيد لا محالة لا يمنعه شيء من الموانع والحوادث؛ إذ الْجَزَاء الذي علق بالمقطوع
وجوده مقطوع حصوله ألبتة فيحصل بسَبَب ذلك التأكد ما به صدر ثم الْمُرَاد بتفصيل ما
أجمل تفصيل ما أجمل في الذهن مع سبقه هنا يدل عَلَى المجمل المتعدد فإن قَوْلُه تَعَالَى:
(إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيي أَنْ يَضْربَ) الآية. يدل عَلَى أن المكلفين في (ضربنا)
مثلًا مختلفون أما الْمُؤْمنُونَ الكاملون فمهتدون إلَى طريق السداد، وأما
الكافرون المتمردون فمصرون عَلَى الإنكار والعناد. قوله يفصل ما أجمل الخ. أغلبي لا
كلي كما نقل عن الرضي وكثير من المحققين، وقَالُوا تفسير سيبَوَيْه لها بمهما يكن ليس به
الْمُرَاد أنها مرادفة لذلك الاسم والفعل؛ لأنه لا نظير له، بل الْمُرَاد أنها لما أفادت التَّأْكيد
وتحتم الوقوع في المستقبل كان مآل معناها ذلك، وقول سيبَوَيْه معناه مهما يكن الخ. دون
أن يقول أصله إشَارَة إليه، لكن النحرير التفتازاني حمل قول سيبَوَيْه معناه أصله ذلك وظاهره
ضعيف فالظَّاهر أن مراده بيان الْمَعْنَى البحت وتصوير أن إما يفيد لزوم ما بعد فائها لما
قبلها وأن أصله إن يكن في الدُّنْيَا شيء فحذف الشرط وزيدت ما وأدغمت النون في الميم
وفتحت همزة حرف الشرط. قوله أي هُوَ ذاهب لا محالة بفتح الميم والبناء عَلَى الفتح
بمعنى لا بد منه ولا تحول عنه، وهو أبلغ منه لأنه بمعنى لا حيلة فيه أصلًا. نقل عن الإمام