و (ماذا) إما مؤلفةٌ من كلمة استفهامٍ وقعتْ مبتدأ خبرُه ذا بمعنى الذي ، وصلتُه ما بعده ، والعائدُ محذوف ، فالأحسنُ أن يجيء جوابُه مرفوعاً ، وإما مُنَزَّلةٌ منزلةَ اسمٍ واحد بمعنى أيُّ شيء ، فالأحسنُ فِي جوابه النصبُ ، والإرادةُ نزوعُ النفسِ وميلُها إلى الفعل بحيث يحمِلها إليه أو القوةُ التي هي مبدؤه ، والأول مع الفعل ، والثاني قبله ، وكلاهما مما لا يتصور فِي حقه تعالى ، ولذلك اختلفوا فِي إرادته عز وجل ، فقيل إرادتُه تعالى لأفعاله كونُه غيرَ ساه فيها ولا مُكْرهٍ ، ولأفعال غيرِه أمرُه بها ، فلا تكون المعاصي بإرادته تعالى ، وقيل هي علمُه باشتمال الأمر على النظام الأكمل ، والوجه الأصلح ، فإنه يدعو القادرَ إلى تحصيله ، والحقُّ عبارةٌ عن ترجيح أحد طرفي المقدورِ على الآخر وتخصيصُه بوجه دون وجه أو معنى يوجبه ، وهي أعمُّ من الاختيار ، فإنه ترجيحٌ مع تفضيل ، وفي كلمة (هذا) تحقيرٌ للمشار إليه واسترذال له ومثَلاً نُصب على التمييز أو على الحال كما فِي قوله تعالى: {نَاقَةُ الله لَكُمْ ءايَةً} وليس مرادُهم بهذه العظيمة استفهامَ الحكمةِ فِي ضرب المثل ولا القدْحَ فِي اشتماله على الفائدة مع اعترافهم بصدوره عنه جل وعلا ، بل غرضُهم التنبيهُ بادعاء أنه من الدناءة والحقارةِ بحيث لا يليق بأن يتعلقَ به أمرٌ من الأمور الداخلةِ تحت إرادته تعالى ، على استحالة أن يكون ضربُ المثل به من عنده سبحانه ، فقوله عز من قائل: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} جوابٌ عن تلك المقالة الباطلة ، وردٌّ لها ببيان أنه مشتملٌ على حكمةٍ جليلة وغايةٍ جميلة هي كونُه ذريعةً إلى هداية المستعدِّين للهداية ، وإضلالِ المنهمكين فِي الغَواية ، فوُضِعَ الفعلان موضعَ الفعل الواقع فِي الاستفهام مبالغةٌ فِي الدلالة على تحققهما ، فإن إرادتَهما دون وقوعِهما بالفعل وتجافياً عن نظم الإضلال مع الهداية فِي سلك الإرادة لإيهامه