الثاني: (هذا الذي رزقنا من قبل) يعني في الدنيا قال ابن مسعود وابن عباس أيضاً وقتادة ومجاهد وابن زيد أي قالوا: هذا الذي رزقناه من ثمرات الجنة مثل الذي كان رزقناه من ثمار الدنيا، أي في الصورة والاسم، وإلا فقد ثبت عن ابن عباس أنه قال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. كما تقدم.
وإنما جعل ثمر الجنة كثمار الدنيا لتميل النفس إليه حين تراه، فإن الطباع مائلة إلى المألوف نافرة عن غير المعروف. وبيانه: أن الإنسان بالمألوف آنس، وإلى المعهود أميل، وإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه، وعافته نفسه، ولأنه إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد، وتقدم له معه إلف، ورأى فيه مزية ظاهرة، وفضيلة بينة، وتفاوتاً بينه وبين ما عهد بليغاً أفرط ابتهاجه واغتباطه،
وطال استعجابه واستعذابه، وتبين له كنه النعمة فيه، وتحقق مقدار الغبطة به.
ولو كان من جنس لم يعهده وإن كان فائقاً حَسِبَ أنَّ ذلك الجنس لا يكون إلا كذلك فلا يتبين موقع النعمة حق التبين، بخلاف ما إذا رأوا شيئاً فائقاً من جنس ما رأوه سابقاً فيكون ذلك
أبين للفضل وأظهر للمزية، وأجلب للسرور، وأزيد في التعجب من أن يفاجئوا بذلك الشيء من غير عهد سابق.
الثالث: إن ثمر الجنة إذا جُني خلفه مثله، فإذا رأوا ما خلف المجنى اشتبه عليهم المجني فقالوا هذا الذي رزقنا من قبل. قال يحيى بن أبي كثير وأبو عبيدة.
قال أبو عبيدة: إن نخل الجنة نضيد ما بين أصله إلى فرعه، وثمرها كأمثال القلال كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى.
لطيفة: أخرج الطبراني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ما من عبد يسبح الله تسبيحة، أو يحمده تحميدة، أو يكبره تكبيرة إلا غرس الله له بها شجرة في الجنة، أصلها من ذهب وأعلاها من جوهر مكللة بالدر والياقوت، ثمارها كثدي الأبكار، ألين من الزبد وأحلى من العسل، كلما جنى منها شيئاً عاد مكانه مثله. ثم تلا {لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ} .
وأما قوله تعالى: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} :
فالظاهر أنها جملة مستأنفة، وكلام الزمخشري يشعر بأنها معترضة. وقيل: هي عطف على قالوا. وأتوا - بالبناء للمجهول في قراءة العامة - بمعنى جيئوا به.