ثم إنه تعالى أتبع هذه المسألة بمسألة المعاد وهي قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} الآية. كأنه قيل: إنا قدمنا مدح المؤمنين وذم الكافرين والمنافقين، ولو لم يكن معاد يجد المحسن ثمرة إحسانه، ويجد المسيء عاقبة إساءته لم يكن ذلك لائقاً بحكمتي. فلذلك أتبع سبحانه ذكر التوحيد والنبوة بذكر المعاد، وبين
عقاب الكافرين وثواب المطيعين، ومن عادة الله تعالى أنه إذا ذكر الوعيد أن يعقبه بذكر الوعد، فلذلك قال بعده: {وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} الآية.
إذا تقرر هذا فنقول:
-أما قوله تعالى {وَبَشِّرِ} : فالبشارة - بفتح الباء وضمها وكسرها -. وحكى فيها في تهذيب الأسماء واللغات الكسر والضم فقط، وبَشَر وبشّر - بالتخفيف والتشديد - وكذا في المضارع. وبمعنى البشارة والبشر والتبشير والإبشار، يقال: بشّرت فلاناً، أبشره تبشيراً وبشرته - بتخفيف الشين - أبشره بشراً، كقتلته أقلته قتلاً. لغتان. والبشير: المبشر، والبشير: الحسن الوجه، والبشر: الطلاقة، والاستبشار: الفرح والسرور، وتباشير الصبح: أوائله، والبشرة: ظاهر جلد الإنسان.
وأما البشارة فهي أول خبر سارٍّ يرد على الإنسان، وعبارة بعضهم: هي الخبر الصدق السار الذي ليس عند المخبر علمه، ولهذا قال الفقهاء: لو قال لعبيدة: أيكم يبشرني بقدوم فلان فهو حر،
فبشروه معاً: عتق الكل، وفرادى: عتق الأول لأنه هو الذي أفاد خبره
السرور. ولو قال مكان بشرني: أخبرني عتقوا جميعاً، لأنهم جميعاً أخبروه. كذا في الكشاف وابن عادل وغيرهما. والذي نص عليه فقهاؤنا إنما يعتق الأول فقط، كالبشارة.