فاعلم! ان الشيء الداخل تحت قانون التكامل ففيه نشوء ونماء.. فله عمر طبيعيّ.. فله أجَلٌ فطريّ ؛ لايخلص من حكم الموت ؛ بدليل استقراء أكثر أفراد الأنواع. فكما ان الإنسان عالم صغير لا خلاص له من الخرابية ؛ كذلك العالم إنسان كبير لامناص له من الموت البتة. وكما ان الشجر نسخة من الكائنات يعقبها التخريب والانحلال ؛ كذلك سلسلة الكائنات من شجرة الخلقة لامناص لها من يد التخريب للتعمير. ولئن لم يَعرضْ عاصفةٌ أو مرض خارجيّ بالإرادة الأزلية قبل العمر الفطريّ ، ولم يخرّبها صانُعها قبلَه لَيَجئُ بالضرورة وعلى كل حال حتى بالحساب الفنّي يومٌ يتحقق فيه (اِذا الشّمْسُ كُوِّرَتْ _ وإذا النجوم انكدرت) 1. و (اذا السماء انشقت) 2. فيتظاهر فِي الفضاء سكرات الإنسان الكبير بخرخرة 3 عجيبة وصوت هائل.
أما وقوعه:
فبإجماع كل الاديان السماوية ، وبشهادة كل فطرة سليمة ، وبإشارة تغيّر وتبدّلِ وتحوّلِ الكائنات. وان شئت ان تتصور سكرات العالم وخرخرته فاعلم! ان الكائنات قد ارتبطت بنظام علويّ دقيق ، واستمسكت بروابط عجيبة فإذا صار جسم من الأجرام العلوية مظهر خطاب"كُن"أو"اُخْرُج عَنْ مِحْوركَ"ترى العالم يشرع فِي السكرات ، وترى النجوم تتصادم ، وتتلاطم الأجرام فترعد وتصيح فِي الفضاء الغير المتناهي ، ويضرب بعض وجه بعض ، وترمي بشرر كأرضنا هذه بل أكبر. فكيف أنت بخرخرة موتٍ صوتُها محصَّلُ ملايين مَرامي مدافع رصاصتُها الصغرى أكبر من الأرض ؟.. فبهذا الموت تتمخض الخِلقة وتتميز الكائنات فتمتاز جهنم بعشيرتها ومادتها ، وتتجلى الجنة جامعة لطائفتها مستمدة من عناصرها.
فان قلت: لِمَ كانت الكائنات مغيَّرة موقّتة تخرب ثم تصير يوم القيامة مؤبدة محكمة ثابتة ؟
قيل لك: ان الحكمة والعناية الأزليتين لما اقتضتا التجربة والابتلاء ، والنشوء والنماء فِي الاستعدادات ، وظهور القابليات ، وظهورالحقائق النسبية التي تصير فِي الآخرة