كان - رحمه الله تعالى - رجلا أسود اللون، عالما بوجوه القراءات والعربية، متمسكا بالآثار، فصيحا ورعا ناسكا، إمام الناس في القراءة بالمدينة، انتهت إليه رئاسة الإقراء بها، وأجمع الناس عليه بعد التابعين، أقرأ [بها] أكثر من سبعين.
قال سعيد بن منصور: سمعت مالك بن أنس يقول: قراءة أهل المدينة سنة. قيل له:
قراءة نافع؟ قال: نعم.
وقال عبد الله بن حنبل: سألت أبى: أي القراءة أحب إليك؟ قال: قراءة أهل المدينة.
وكان نافع إذا تكلم يشمّ من فيه رائحة المسك.
فقيل له: أتتطيب؟ قال: لا، ولكن رأيت فيما يرى النائم النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في فيّ، فمن ذلك اليوم أشم من فيّ هذه الرائحة.
وقال ابن المسيبى: قلت لنافع: ما أصبح وجهك وأحسن خلقك؟ قال: كيف لا وقد صافحنى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قرأ على سبعين من التابعين، منهم أبو جعفر، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، ومسلم بن جندب، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهرى، وصالح بن خوات، وشيبة ابن نصاح، ويزيد بن رومان:
[فأبو جعفر سيأتي سنده] .
وقرأ الأعرج على ابن عباس، وأبى هريرة، وعبد الله بن عياش بن أبى ربيعة
المخزومى، وقرأ مسلم وشيبة وابن رومان على عبد الله بن أبى ربيعة أيضا، وسمع شيبة القرآن من عمر بن الخطاب.
وقرأ صالح على أبى هريرة.
وقرأ الزهرى على سعيد بن المسيب.
وقرأ سعيد على ابن عباس وأبى هريرة.
وقرأ ابن عباس وأبو هريرة على أبى بن كعب.
وقرأ ابن عباس أيضا على زيد بن ثابت.
وقرأ أبى وعمر وزيد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمين جبريل، وجبريل من رب العزة جل وعلا، أو من اللوح المحفوظ.
وأول راويى نافع: أبو موسى عيسى قالون - وهو بالرومية: جيد، لقبه [به] نافع وذلك لجودة قراءته - ابن مينا المدنى النحوي الزرقى، مولى الزهريين، قرأ على نافع سنة خمسين، واختص به كثيرا، وكان إمام المدينة ونحويها، وكان أصم لا يسمع البوق، وإذا قرئ عليه القرآن يسمعه، وقال: قرأت على نافع قراءته غير مرة وكتبتها عنه.
وقال: قال نافع: لم تقرأ على؟! اجلس إلى أسطوانة حتى أرسل إليك من يقرأ عليك.
وثانيهما: أبو سعيد عثمان بن سعيد، ولقبه نافع «ورش» ؛ لشدة بياضه أو قلة أكله، القبطى المصرى، [كان أول أمره] راسا، ثم رحل إلى المدينة؛ ليقرأ على نافع،