قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: يا أيّها الناس: خطاب لأهل مكة، {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} خطاب لأهل المدينة. وهو هنا خطاب عامّ لسائر المكلّفين؛ لأنّ ذلك أمر أغلبي على أنّ السورة مدنية.
واعلم: أنّ النداء الواقع في القرآن على سبعة مراتب:
الأول: نداء مدح، كقوله: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ} ، {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ} .
والثاني: نداء ذمّ، كقوله: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا} ، {يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا} .
والثالث: نداء تنبيه، كقوله: {يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ} ، {يا أَيُّهَا النَّاسُ} .
والرابع: نداء إضافة، كقوله: {يا عِبادِيَ} .
والخامس: نداء نسبة، كقوله: {يا بَنِي آدَمَ} ، {يا بَنِي إِسْرائِيلَ} .
والسادس: نداء تسمية، كقوله: {يا داوُدُ} ، {يا إِبْراهِيمُ} .
والسابع: نداء تعنيف، كقوله: {يا أَهْلَ الْكِتابِ} .
{اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} يقول للكفّار: وحّدوا ربّكم، ويقول للعاصين: أطيعوا ربّكم، ويقول للمنافقين: أخلصوا بالتوحيد معرفة ربّكم، ويقول للمطيعين: اثبتوا على طاعة ربّكم. واللفظ يحتمل لهذه الأوجه كلّها، وهو من جوامع الكلم، كما في «تفسير أبي الليث» . والعبادة: استفراغ الطاقة في استكمال الطاعة، واستشعار الخشية في استبعاد المعصية. {الَّذِي خَلَقَكُمْ} صفة جرت عنه للتعظيم والتعليل معناه: أطيعوا ربّكم الذي خلقكم، لخلقكم ولم تكونوا شيئا. والخلق: اختراع الشيء على غير مثال سبق. {وَ} خلق {الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} ؛ أي: من أهل زمن قبل زمانكم من الأمم. فـ {مِنْ} ابتدائية متعلّقة بمحذوف، وفي الوصف به، إيماء إلى سبب وجوب عبادته تعالى، فإنّ خلق أصولهم من موجبات العبادة، كخلق أنفسهم. وفيه دلالة على شمول القدرة، وتنبيه من سنة الغفلة؛ أي: أنّهم كانوا فمضوا، وجاءوا وانقضوا، فلا تنسوا مصيركم، ولا تستجيزوا تقصيركم.