والمعنى على رفع «لتزول» أن «إن» مخففة من الثقيلة، أي: وإن مكرهم كان من الشدة بحيث تقتلع منه الجبال الراسيات من مواضعها، وعلى نصبه جعلها نافية، أي: ما كان مكرهم وإن تعاظم ليزول منه أمر محمد صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام. ففي الأولى [الجبال] حقيقة، وفى الثانية مجاز.
وعلى بناء «فتنوا» للمفعول، يعود الضمير للذين هاجروا، وفى الثانية إلى الأخسرين.
وأما فائدة اختلاف القراءات فكثير غير ما تقدم:
منها ما في ذلك من نهاية البلاغة، وكمال الإعجاز، وغاية الاختصار؛ إذ كل قراءة بمنزلة آية، إذ كان تنوع اللفظ بكلمة يقوم مقام آيات، ولو جعلت دلالة كل لفظ آية على حدتها لم يخف ما كان في ذلك من التطويل.
ومنها ما في ذلك من عظيم البرهان وواضح الدلالة؛ إذ هو مع كثرة [هذا الاختلاف] لم يتطرق إليه تضاد ولا تناقض، بل كله يصدق بعضه بعضا، ويبينه ويشهد له.
ومنها سهولة حفظه وتيسير نقله؛ فإن حفظ كلمة ذات أوجه أسهل وأقرب من حفظ كلمات تؤدى معاني تلك القراءات، لا سيما ما اتفق خطه فإنه أسهل حفظا وأيسر لفظا.
ومنها غير ذلك، وليس هذا محل التطويل، وبالله التوفيق.
ص:
قام بها أئمّة القرآن ... ومحرزو التّحقيق والإتقان
ش: (قام أئمة القرآن) فعلية لا محل لها، و (بها) يتعلق ب (قام) و (محرزو) عطف على (أئمة) ، و (التحقيق) مضاف إليه، (والإتقان) عطف [على (التحقيق) ] . أي: قام بالقراءات والروايات وغيرها، أو قام بالقراءة أئمة القرآن الضابطون له، والذين أحرزوا - أي: ضموا وجمعوا - تحقيق هذا العلم وإتقانه، والذين نقل عنهم وجوه القراءات كثير في كل عصر، لا يكادون يحصون:
فمنهم من الصحابة المهاجرين: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وطلحة، وسعد، وابن مسعود، وحذيفة، وسالم مولى أبى حذيفة، وأبو هريرة، وابن عمر،
وابن عباس، وعمرو بن العاص وابنه عبد الله، ومعاذ، وابن الزبير، وعبد الله ابن السائب، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة.
ومن الأنصار: أبى بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء، وأبو زيد، ومجمّع بن حارثة، وأنس بن مالك.
فهؤلاء كلهم جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن التابعين بمكة: عبيد بن عمير، وعطاء، وطاوس،
ومجاهد، وعكرمة، وابن أبى مليكة. وبالمدينة: ابن المسيب، وعروة، وسالم، وعمر بن عبد العزيز، وسليمان، وعطاء بن يسار، ومعاذ