وإنما ذلك، لأنه كلما أخذ من ذلك شيء خلفه مثاله على الولاء دون زمان.
آية ذلك: ما يكون من ثمرة كل شجرة تقطف، ثم يأتي بمثلها في عام آخر،
فقرِّب البعيدة تصب الحق إن شاء الله.
أعقب ذلك قوله الحق: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) أشار وهو - عز وجل -
أعلم إلى ما قص من ذلك، أنه كلما أتى أحدهم زوجته في الجنة وجدها عذراء،
وهذا مما تقدم ذكره (وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) في مزيد غير منقطع ولا
ممتنع، جعلنا الله الرحيم برحمته منهم في يسر وعافية - انتهى.
(فصل)
ألا ترى أن الغيب وغيره في هذه الدار من أنواع الثمرات والفواكه لما أن كان
عن فتح رحمته بالماء ينزله من السماء يخلف منه المثل المثل كل عام، وربما كان
على الفرط أكثر من ذلك، فنشأ ذلك في الدار الآخرة إلى وجود ذلك دون زمان
حتى يقول: (هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ) لعدم الفقد للمأخوذ المجتنى،
ومشاهدة الخالف مكانه (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"يؤتى بالموت في صورة كبش أقرن، [فيقال] : يا أهل الجنة"
هل تعرفون هذا؟ فيقولون: الموت، فيقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ثم يقال: يا
أهل النار أتعرفون هذا؟ فيقولون: هذا الموت فيقال: ويا أهل النار خلود فلا
موت"فهذا الموت قد مات في الآخرة، وكذلك لا عدم فيها كما ليس فيها موت."
وجاء:"إن الولي يشتهي الطير، أو أي حيوان يشتهيه جاءه ووقع بين يديه"
طبيخًا أو مشويًا كما اشتهاه، فيأكل منه ما أحب، ثم يطير أو يذهب حيًّا كما كان
قبل"فهذه الحال منه ما هي، وحال الثمرة يقطعها جانيها ويخلفها خالفها، ما حال"
الذاهبة منهما وليس فيما هنالك إعدام ولا موت، وهي دار المزيد لا دار إعدام، كما
هي دار الحيوان لا دار الموت، والله ورسوله وما جاء من عنده حق.
ليت شعري، كيف وجه هذا الحق؟ ومن أين سبيل يتعرف؛ وما آيته هَاهُنَا؟
بيان: اعلم - وفقنا الله إياك - أن بين الحياة والموت حالاً متوسطة لا توصف
بموت ولا بحياة، وقد توصف أيضًا بحياة.