(قَالَ شَيْخُنَا) : وَأَخُصُّ طُلَّابَ عُلُومِ الدِّينِ بِالذِّكْرِ ، فَيَنْبَغِي لِلطَّالِبِ أَنْ يُوَجِّهَ نَفْسَهُ إِلَى فَهْمِ الْقُرْآنِ ، وَيَحْمِلَهَا عَلَى الِاهْتِدَاءِ بِهِ ، فَإِذَا هُوَ فَعَلَ ذَلِكَ تَظْهَرُ عَلَيْهِ آدَابُ الْإِسْلَامِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِقَوْلِهِ: (أَدَّبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي) وَإِنَّمَا كَانَ أَدَبَهُ الْقُرْآنُ ، وَمَنِ اشْتَغَلَ بِهَذَا حَقَّ الِاشْتِغَالِ ، وَصَلَ إِلَى مَعْرِفَةِ أَمْرَاضِ
الْمُسْلِمِينَ الْحَاضِرَةِ ، وَمَنَابِعِ الْبِدَعِ الَّتِي فَشَتْ فِيهِمْ ، وَمَثَارَاتِ الْفِتَنِ الَّتِي فَرَّقَتْهُمْ ، وَيَعْرِفُ عِلَاجَ ذَلِكَ ، وَأَنَّ مَنْ ذَاقَ حَلَاوَةَ الْقُرْآنِ لَا يَنْظُرُ فِي كِتَابٍ وَلَا يَتَلَقَّى عِلْمًا ، إِلَّا مَا يَفْتَحُ لَهُ بَابَ الْفَهْمِ فِي الْقُرْآنِ أَوْ مَا يَفْتَحُ لَهُ بَابَهُ الْقُرْآنُ فَيَجِدُهُ مِرْآتَهُ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مُبْعِدٌ عَنْهُ ، وَالْبُعْدُ عَنِ الْقُرْآنِ هُوَ عَيْنُ الْبُعْدِ عَنِ اللهِ تَعَالَى ، وَذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ .
كُلُّ مَا أَمَرَنَا بِهِ الْقُرْآنُ وَأَرْشَدَنَا إِلَى النَّظَرِ فِيهِ فَالِاشْتِغَالُ بِهِ اشْتِغَالٌ بِالْقُرْآنِ ، فَإِذَا قَالَ: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) فَذَلِكَ تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ إِلَى الِاعْتِبَارِ بِمَا فِي خَلْقِنَا مِنَ الْحِكَمِ وَالْأَسْرَارِ ، وَيَنْبَغِي لَنَا الْبَحْثُ عَنْهَا كَمَا قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: