وقال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} والسياق فِي ذكر القرآن من حيث هو هو، ولذلك لم يذكر فِي هاتين السورتين لفظ (من) المحتملة للتبعيض ولإبتداء الغاية فمن هنا تعين الضمير للقرآن، وفي سورة البقرة، لما قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} قال: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} فتكون من لابتداء الغاية، والضمير فِي مثله للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويكون قد تحداهم فيها بنوع آخر من التحدي غير المذكور فِي السور الثلاث. وذلك أن الإعجاز من وجهين:
إحداهما: من فصاحة القرآن وبلاغته وبلوغه مبلغا تقصر قوى الخلق عنه، وهو المقصود فِي السور الثلاث المتقدمة المتحدى به فيها، والثاني: من إتيانه من النبي الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب وهو المتحدى به فِي هذه السورة، ولا يمتنع إرادة المجموع كما قدمناه، فإن أراد الزمخشري بعود الضمير على ما نزلنا المجموع بالطريق التي أشرنا إليها فصحيح، وحينئذ يكون ردد بين ذلك وعود الضمير على الثاني فقط.
وإن لم يرد ذلك فما قلناه أرجح، ويعضده أنه أقرب، وعود الضمير على الأقرب أوجب ويعضده أيضاً أنهم قد تحدوا قبل ذلك، فظهر عجزهم عن الإتيان بسورة من مثل القرآن، لأن سورة يونس
مكية فإن عجزوا عنه من كل أحد فهم عن الإتيان بمثله ممن لم يقرأ ولم يكتب أشد عجزا، فالأحسن أن يجعل الضمير لقوله: عبدنا، فقط، وهذان النوعان من التحدي يشتمل على أربعة أقسام، لأن التحدي بالقرآن أو ببعضه بالنسبة إلى من يقرأ ويكتب، وإلى من ليس كذلك. والتحدي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بالنسبة إلى مثل المنزل وإلى أي سورة كانت.
فإن من لم يكتب لا يأتي بها فصار الإتيان بسورة من مثل النبي - صلى الله عليه وسلم - ممتنعاً (شابهت القرآن أو لم تشابهه) ، والإتيان بسورة من مثل القرآن ممتنعاً كانت من كاتب قارئ أم من غيره.