فاعلم! أن ارشاد القرآن الكريم لكافة الناس ، والجمهور الأكثر منهم عوام ، والأقل تابع للأكثر فِي نظر الارشاد. والخطاب المتوجه نحو العوام يستفيد منه الخواص
ويأخذون حصتهم منه.. ولو عكس لبقي العوام محرومين ، مع أن جمهور العوام لا يجردون اذهانهم عن المألوفات والمتخيلات ، فلا يقتدرون على درك الحقائق المجردة والمعقولات الصرفة إلا بمنظار متخيلاتهم وتصويرها بصورة مألوفاتهم. لكن بشرط أن لايقف نظرُهم على نفس الصورة حتى يلزم المحال والجسمية أو الجهة بل يمر نظرهم إلى الحقائق.
مثلا: أن الجمهور انما يتصورون حقيقة التصرف الالهي فِي الكائنات بصورة تصرف السلطان الذي استوى على سرير سلطنته. ولهذا اختار الكناية فِي (الرحمن على العرش استوى) وإذا كانت حسيات الجمهور فِي هذا المركز فالذي يقتضيه منهجُ البلاغة ويستلزمه طريقُ الإرشاد رعايةَ افهامهم واحترامَ حسياتهم ، ومماشاة عقولهم ومراعاة أفكارهم. كمن يتكلم مع صبي فهو يتصبى فِي كلامه ليفهمه ويستأنس به. فالأساليب القرآنية فِي أمثال هذه المنازل المرعي فيها الجمهور تسمى بـ"التنزلات الإِلهية إلى عقول البشر"، فهذا التنزل لتأنيس اذهانهم. فلهذا وضع صورَ المتشابهات منظاراً على نظر الجمهور. ألا ترى كيف أكثر البلغاء من الاستعارات لتصور المعاني الدقيقة ، أو لتصوير المعاني المتفرقة! فما هذه المتشابهات الا من أقسام الاستعارات الغامضة ، إذ انها صور للحقائق الغامضة.
أما كون العبارة مُشكلاً ؛ فإما لدقة المعنى وعمقه ، وإيجاز الأسلوب وعلويته ، فمشكلات القرآن الكريم من هذا القبيل.. وإما لإِغلاق اللفظ وتعقيد العبارة المنافي للبلاغة ، فالقرآن الكريم مبرأ منه. فيا أيها المرتاب! أفلا يكون من عين البلاغة تقريب مثل هذه الحقائق العميقة البعيدة عن أفكار الجمهور إلى أفهام العوام بطريق سهل ؟ إذ البلاغة مطابقة مقتضى الحال فتأمل..