قيل لك: أن الفذلكة بحسن الأصابة فِي موقعها المناسب ، واستعمالها فِي أرض منبتة مع أمور مرموزة غير مسموعة - قد اشرنا إليها فِي النكتة الثانية - تشفّ كالزجاجة عن ملكة تامة فِي ذلك الفن واطلاع تام فِي ذلك العلم فتكون الفذلكة فِي حكم العلم ولا يمكن لشخص أمثال هذه.
اعلم! أن نتيجة هذه المحاكمات هي أن تستحضر اوّلا ما سيأتي من القواعد وهي:
ان شخصاً لايتخصص فِي فنون كثيرة.. وأن كلاما واحداً يتفاوت من شخصين ، يكون بالنظر إلى واحد ذهباً وإلى الآخر فحماً.. وأن الفنون نتيجة تلاحق الأفكار وتتكمل بمرور الزمان.. وأن كثيراً من النظريات فِي الماضي صارت بديهية الآن.. وأن قياس الماضي على هذا الزمان قياس مثبط مع الفارق.. وأن أهل الصحراء لاتستر بساطتهم وصفوتهم الحيل والدسائس التي تختفي تحت حجاب المدنية.. وأن كثيراً من العلوم انما يتحصل بتلقين العادات والوقوعات وبتدريس الأحوال لطبيعة البشر باعداد الزمان والمحيط.. وأن نور نظر البشر لاينفذ فِي المستقبل ولا يرى الكيفيات المخصوصة.. وانه كما أن لحياة البشر عمراً طبيعياً ينقطع ؛ كذلك لقانونه عمر طبيعيّ ينتهي البتة.. وأن للمحيط الزماني والمكاني تأثيراً عظيماً فِي أحوال النفوس.. وأن كثيراً من الخوارق الماضية تصير عادية بتكمل المبادئ.. وأن الذكاء ولو كان خارقاً لا يقتدر على ايجاد فنٍ وتكميله دفعةً بل كالصبيّ يتدرج.
وإذا استحضرت هذه المسائل وجعلتها نصب عينيك فتجرَّد وتعرَّ من الخيالات الزمانية والأوهام المحيطية ، ثم غُصْ من ساحل هذا العصر فِي بحر الزمان ، ماراً تحته إلى أن تخرج من جزيرة عصر السعادة ناظراً على جزيرة العرب!.. ثم ارفع رأسك والبس