... ولا عيب فِي أن يكون الإنسان جاهلا لأمر من الأمور التي تتعلق بدينه، ولكن عليه عندئذ أن يبحث عن الحق حتى يزيل جهالته، وأن يقول: (( رب زدنى علماً ) ) (1) .0 أما أن يكون جاهلاً ويصر على جهله، ثم يزيد فيزعم أنه هو العالم، وأن الذين يخالفونه هم الجهال المتأخرون المتخلفون أعداء العلم وأعداء العقلانية وأعداء التقدم 00 فهذا من مصائب الجاهلية.. كل الجاهلية.. والجاهلية المعاصرة بصفة خاصة التي ترفع لافتة (( العلم ) )و (( التنوير ) )، وتضعها فوق ما أسماه (( ألكسيس كاريل ) )بالجهل المطبق فِي كتابه الشيق (( الإنسان، ذلك المجهول ) )! (2) .
* * *... فِي الحياة البشرية ما هو ثابت وما هو متغير00 وتلك من الحقائق التي لم تهتد إليها أوربا فِي جاهليتها: جاهلية القرون الوسطى، والجاهلية المعاصرة0... فأما فِي جاهلية القرون الوسطى - المظلمة عندهم (3) - فقد كان الفكر الأوربى الذي ثبته الكنيسة وتشرف عليه، يرى الثبات فِي كل شيء ، وينظر إلى أي تغيير على أنه خروج على نواميس الكون، وخروج على طاعة الله، ومن ثم فهو ضلال وهرطقة، ومصيرهما البوار!... وأما فِي الجاهلية المعاصرة، التي اتخذت نظرية التطور الداروينية عمادا لكل تصوراتها، فإن الفكر الأوربى يرى أنه لا ثبات لشيء على الإطلاق فِي هذا الوجود، وأن الثبات على أي شيء مخالف لنواميس الكون، و (( قوانين الطبيعة ) )، ومن ثم فالدعوة إلى الثبات على أي شيء هو جهالة وجمود ورجعية، مصيرها البوار!... وفى كلتا حالتيها كانت أوربا واقعة فِي الضلالة!
(1) سورة طه: 114 .
(2) يقول ألكسيس كاريل فِي كتابه هذا: إن جهلنا بحقيقة الإنسان جهل مطبق. وإننا - بهذا الجهل - نصنع حضارة لا تصلح للإنسان، لذلك يزداد الإنسان انحدار كلما زاد توغله فِي تلك الحضارة!
(3) كانت هذه الفترة ذاتها من أزهى العصور الإسلامية وأكثرها نورا!