الكائنات. فكل الآيات القرآنية العادّة لنِعم الأشياء والمذكِّرة لفوائدها مظاهرُ لهذا الدليل. فكلما أمر القرآن الكريم بالتفكر فانما أشار مخاطباً للعموم إلى طريق هذا الاستدلال (فَارجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ) ثم أن الذي يومئ إلى هذا الدليل من هذه الآية قوله تعالى: (الذي جَعَلَ لَكُمْ الارْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَاَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَاَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ) .
وأما الدليل الاختراعيّ المشار إليه بقوله تعالى: (اَلَّذي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) فهو:
ان الله تعالى اعطى لكل فرد ولكل نوع وجوداً خاصاً هو منشأ آثاره المخصوصة ، ومنبع كمالاته اللائقة ؛ إذ لانوع يتسلسل إلى الأزل لإِمكانه ، ولبطلان التسلسل ، ولأن هذا التغير فِي العالم يثبت حدوث بعض بالمشاهدة ، وبعض آخر بالضرورة العقلية. ثم انه قد ثبت بعلم الحيوانات والنباتات تكثّر الأنواع إلى أزيد من مائتي ألف نوع ولكل نوع آدم وأب عال. فبسر الحدوث والامكان يثبت بالضرورة صدور تلك الاوادم والآباء للأنواع عن يد القدرة الإلهية بلا واسطة. ولا يُتوهم فيها ما يتوهم فِي السلسلة. وتوهم انشقاق الأنواع بعضها عن بعض باطل ، لأن النوع المتوسط لا يتسلسل بالتناسل فِي الأكثر فلا يكون رأس سلسلة. فإذا كان المبدأ والأصل هكذا ، فأجزاء السلسلة كذلك بالطريق الأولى.