وهذا كله نظر من الله - عز وجل - للوالدين لئلا يكون من واحد منهما سبباً لهلاك الولد، فيفجعهما فقده، وللولد انبراح علته، وتتوفر عليه مصالحه، فبلغ المبلغ الذي يرجوه الوالدان لأنفسهما وله.
ومن الدواب ما خلق للركوب وحمل الأثقال، وفيها ما جمع بين المنفعتين أكل اللحم والركوب.
قال الله عز وجل: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} .
وقال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} .
وأما السباع فمنها ما سخرتها للناس بأن جعلها قابلة لتعلمهم كالفهود والكلاب وسباع الطائر، كالبازي والعقاب والصقر والشاهين، فإذا تعلمت وارتاضت كان فيها من المنفعة أن تكتسب لأرباحها إذا حملتها عليه وقد ذكر الله - عز وجل - فقال: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} .
وأما ما لم يسخرها من هذه الوجوه، فلم يحل الناس من تسليطهم عليها، وتقويتهم على قهرها.
ولهم في جلودها المنافع، فإنها قد تكن تشبه الدواب في وقت القتال.
وقد تكون فرشاً وبسطاً إذا دبغت.
فإن فضل عما ذكرنا شيء لا ينتفع به كالخنزير وغيره مما لم يبح أكل لحمه، فذلك لا يعارض غرضنا فيما نسوقه من هذا الباب، لأن الأغراض في الانتفاع موجود في ذلك كله.