والذي تحصل به قراءة هذا الحرف إما من جهة القلب فالمعرفة بعبودية الخلق للحق رقّ خلق ورزق وتصريف فيما شاء مما بينه وبين ربه ومما بينه وبين نفسه ومما بينه وبين أمثاله من سائر العباد، لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ولا يأخذ إلا ما أعطاه سيده، ولا يتقي إلا ما وقاه سيده، ولا يكشف السوء عنه إلا هو، فيسلم له مقاليد أمره فِي ظاهره وباطنه، وذلك هو الدين عند الله الذي لا يقبل سواه {إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 19] و {من يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} [آل عمران: 85] وهو دين النبي العبد، وما يتحقق للعبد من ذلك عن اعتبار العقل وخلوص اللب هي الملة الحنيفية ملة النبي الخليل - هذا من جهة القلب؛ وإما من جهة حال النفس فجميع أحوال العبد القن المعرق فِي الملك: إنما أنا عبد آكل مثل ما يأكل العبد؛ وجماع ذلك وأصله الذل انكساراً والذل عطفاً والبراءة من الترفع والفخر على سائر الخلق والتحقق بالضعة دونهم على وصف النفس، بذلك ينتهي حسن التخلق مع الخلق وصدق التعبد للحق؛ وإما من جهة العمل فتصرف الجوارح وإسلامها لله قولاً وفعلاً وبذلاً، ومسالمة الخلق لساناً ويداً، وهو تمام الإسلام وثبته، لا يكتب أحدكم فِي المسلمين حتى يسلم الناس من لسانه ويده، ويخص الهيئة من ذلك ما هو أولى بهيئات العبيد كالذي بنيت عليه هيئة الصلاة من الإطراق فِي القيام ووضع اليمنى على اليسرى بحذاء الصدر هيئة العبد المتأدب المنتظر لما لا يدري خبره من أمر سيده وكهيئة الجلوس فيها الذي هو جلوس العبيد، كذلك كان صلى الله عليه وسلم يجلس لطعامه ليستوي حال تعبده فِي أمر دنياه وأخراه ويقول:"إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد"ويؤثر جميع ما هو هيئة العبيد فِي تعبده ومطعمه ومشربه وملبسه ومركبه وظعنه وإقامته {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] فبهذه الأمور من تحقق العبودية للقلب وذل النفس وانكسار الجوارح تحصل قراءة حرف المحكم والله الولي الحميد - انتهى انتهى. {نظم الدرر حـ 1 صـ 55 - 61}