وما أحسن قوله فِي تأنيبهم وتنبيههم على ما أزروا بأنفسهم {وأنتم تعلمون} أي والحال أنكم ذوو علم على ما تزعمون فإنه يلوّح إلى أن من أشرك به مع قيام هذه الأدلة لم يكن ممن يصح منه العلم فكان فِي عداد البهائم.
وفيه كما قال الحرالي: إعلام بظهور آيات ما يمنع جعل الند لما يشاهد أن جميع الخلق أدناهم وأعلاهم مقامون من السماء وفي الأرض ومن الماء ، فمن جعل لله نداً مما حوته السماء والأرض واستمد من الماء فقد خالف العلم الضروري الذي به تقلد التذلل للربوبية فِي نفسه فإن يحكم بذلك على غيره مما حاله كحاله أحق فِي العلم - انتهى.
وفي تعقيبها لما قبلها غاية التبكيت على من ترك هذا القادر على كل شيء وعبد ما لا يقدر على شيء .
وهذه الآية من المحكم الذي اتفقت عليه الشرائع واجتمعت عليه الكتب ، وهو عمود الخشوع ، وعليه مدار الذل والخضوع.
قال الإمام أبو الحسن الحرالي فِي العروة: وجه إنزال هذا الحرف تحقيق اتصاف العبد بما هو اللائق به فِي صدق وجهته إلى الحق بانقطاعه عن نفسه وبراءته منها والتجائه إلى ربه استسلاماً ، وجهده فِي خدمته إكباراً واستناده إليه اتكالاً ، وسكونه له طمأنينة {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية} [الفجر: 27 ، 28] ، ويتأكد تحلي العبد بمستحق أوصافه لقراءة هذا الحرف والعمل به بحسب براءته من التعرض لنظيره المتشابه ، لأن اتباع المتشابه زيغ لقصور العقل والفهم عن نيله ، ووجوب الاقتصار على الإيمان به من غير موازنة بين ما خاطب الله به عباده للتعرف وبين ما جعله للعبد للاعتبار ، سبحانه من لم يجعل سبيلاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته.