لما في ذلك من حفظ الأبدان، وبقاء الإنسان، فإنه لولا حب الغذاء لما أكل الناس، ففسدت أبدانهم.
ولولا حب النساء لما تزوجوا فانقطع النسل، فخلت الأرض منهم، والمقصود بوجود ذلك بقاء كل منهم ليعبدوا الله وحده، ويكون هو المعبود المحبوب لذاته الذي لا يستحق ذلك غيره.
وحب الأنبياء والمرسلين وشعائر الدين والمؤمنين تابع لمحبة الله، فإن من تمام محبته حب كل ما يحب سبحانه.
ومحبة الله تعالى يدعيها كل أحد، وذلك غير صحيح حتى تمتحن النفس بالعلامات، وتطالب بالبراهين العملية الدالة على صدق محبة الله، ومنها تقديم ما يحبه الله من الأقوال والأعمال على ما تحبه النفس من الشهوات والملاذ والأموال والأوطان وغيرها.
ومنها أن من أحب الله فإنه يتبع رسوله فيما جاء به، فيفعل ما أمر به، ويجتنب ما نهى عنه، ويتخلق بأخلاقه، ويتأدب بآدابه.
ومنها أن المحبين لله يكونون أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله بالنفس والمال واليد واللسان، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، فلا يؤثر فيهم إزدراء الناس لهم، ولومهم إياهم كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) } [المائدة: 54] .
ومنها حب لقاء الله تعالى في الجنة، فمن أحب محبوباً أحب لقاءه، وهذا لا ينافي كراهة الموت.
ومنها أن يكون مؤثراً لما يحبه الله على ما تحبه نفسه.
ومنها أن لا يعصي الله، ومن أحب الله فلا يعصه، إلا أن العصيان لا ينافي أصل المحبة، إنما يضاد كمالها، وسببه أن المعرفة قد تضعف، والشهوة قد تغلب، فيعجز عن القيام بأصل المحبة.
ومنها أن يداوم على ذكر الله، لا يفتر عنه لسانه، ولا يخلو عنه قلبه.