إن العبادة: هي الدينونة لله وحده في كل شأن من شئون الدنيا والآخرة، فإن (عبد) معناها: (دان وخضع وذل) سواء في الشعائر التعبدية، أو الشرائع التي تنظم حياة الناس.
ولما بهت مدلول الدين والعبادة في نفوس الناس صاروا يفهمون أن عبادة غير الله التي يخرج بها الناس من الإسلام إلى الكفر هي فقط تقديم الشعائر التعبدية لغير الله، كتقديمها للأصنام والأوثان والقبور مثلاً، وأن الإنسان متى تجنب ذلك فقد بعد عن الشرك والجاهلية، وأصبح مسلماً لا يجوز تكفيره، وهذا وهم باطل، وتبديل وتغيير لمفهوم العبادة التي هي الدينونة الكاملة المطلقة لله في كل شأن، ورفض الدينونة لغير الله في كل شأن.
كما جاء ذلك صريحاً في كتاب الله في قوله سبحان: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) } [الأنعام: 162، 163] .
والفعلة العظيمة التي استحقت بها الأمم السابقة الهلاك واللعنة في الدنيا والآخرة لم تكن فقط هي مجرد أداء الشعائر التعبدية لغير الله، فهذه صورة من صور الشرك الكثيرة التي جاء نوح وهود وصالح وإبراهيم وشعيب وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام ليخرجوا الناس منها إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
إنما كانت الفعلة النكراء التي استحق بها الكفار العذاب هي جحود آيات الله، وعصيان رسله، والكفر به، واتباع أمر الجبارين والطغاة من عبيده كما قال سبحانه عن عاد: وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ
عَنِيدٍ (59) [هود: 59] .
ومتى عصى أقوام أوامر الله المتمثلة في شرائعه المبلغة لهم من رسله، بأن لا يدينوا لغير الله، فدانوا للطواغيت، فقد جحدوا بآيات ربهم، وعصوا رسله، وخرجوا بذلك من الإسلام إلى الشرك.