والعبد إذا أخلى قلبه من محبة الله، والإيمان به، والإنابة إليه، وطلب مرضاته.
وأخلى لسانه من ذكر ربه، والثناء عليه، وأخلى جوارحه من شكره وطاعته، فلم يرد من نفسه ذلك ونسي ربه لم يرد الله سبحانه أن يعيذه من ذلك الشر، ونسيه كما نسيه، وقطع الإمداد الواصل إليه منه، كما قطع العبد العبودية والشكر
والتقوى التي تنال الله من عباده كما قال سبحانه: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) } [الحج: 37] .
فإذا أمسك العبد عما ينال ربه منه أمسك الرب عما ينال العبد من توفيقه، وخلى بينه وبين نفسه التي ليس له منها إلا الظلم والجهل والسوء كما قال سبحانه: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19) } [الحشر: 19] .
وقال سبحانه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) } [المائدة: 41] .
فعدم إرادة الله تطهيرهم، وتخليته بينهم وبين نفوسهم، أوجب لهم من الشر ما أوجبه.
فالذي إلى الرب وبيديه ومنه هو الخير بأنواعه التي لا يحصيها إلا هو، والشر كان منهم مصدره وإليهم كان منتهاه.
فمنهم ابتدأت أسبابه بخذلان الله تعالى لهم تارة، وبعقوبته لهم به تارة، وإليهم انتهت غايته ووقوعه.
فسبحان من له الملك والحمد، العدل في قضائه، الحكيم في أفعاله.
وإذا كان الإنسان إنما يعبد ربه وحده ويستعين به وحده فقد تخلص الإنسان من استذلال غيره، وفي ذلك كمال العزة والغنى له.
والله يريد لعبده مع غيره هذا الكمال، ويريد لعبده معه الذلة والافتقار كما قال سبحانه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } [الفاتحة: 5] .
فكمال المسلم بأمرين:
ذلته وافتقاره إلى ربه .. وعزته وغناه عما سواه.
والقوى الإنسانية بالنسبة للمسلم نوعان:
الأولى: قوة مهتدية تؤمن بالله وتتبع منهج الله، فهذه يجب أن يؤازرها ويتعاون