وهم يعبدونه سبحانه بإقامة الشعائر، ويعبدونه باتباع الشرائع، فكلاهما من عند الله، هذا أمره، وهذا أمره، ولا سلطان لأحد في ملكه وعباده معه.
وهو وحده الذي يستحق أن يعبد، وأن يطاع فلا يعصى، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى، ولا يستحق العبادة أحد سواه: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) } [الأنعام: 102] .
وقد حرم الله الخمر والميسر؛ لأنهما يصدان عن ذكر الله وعن الصلاة التي تصل المسلم بربه.
ويصرفان العبد عن امتثال أوامر الله والنهوض بما أمر الله به، فالخمر تنسي، والميسر يلهي، وغيبوبة السكر واللهو تنافي اليقظة الدائمة التي يفرضها الإسلام على قلب المسلم، ليكون موصولاً بالله في كل لحظة، مراقباً لله في كل خطوة.
ثم ليكون كذلك بهذه اليقظة عاملاً إيجابياً في نماء الحياة وتجددها، وفي صيانتها من الضعف والفساد، وفي حماية نفسه وماله وعرضه، وحماية أمن الجماعة المسلمة، ودينها وشريعتها من كل اعتداء.
فالمسلم سلعة غالية، ولهذا اشترى الله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وأعطاهم على ذلك الجنة.
فللمسلم وظائف وأعمال، وجهد وبناء، وليس متروكاً لذاته ولذّاته وشهواته، فعليه في كل لحظة حيث كان ومن كان تكاليف وأوامر من ربه تستوجب اليقظة الدائمة:
تكاليف لربه .. وتكاليف لنفسه .. وتكاليف لأهله .. وتكاليف للجماعة المسلمة التي يعيش فيها .. وتكاليف للإنسانية كلها يدعوها إلى ربها، ويهديها إلى خالقها.
ومجموع هذه التكاليف والأوامر هي الدين، وهي العبادة التي يتقرب بها إلى ربه، يؤديها خالصةً لربها، وفق سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - كما قال سبحانه: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) } [الأنعام: 162، 163] .
والناس ليسوا وحدهم في هذا الكون، حتى يكون وجودهم مصادفة، وحتى تكون حياتهم سدى وفوضى.