الثانية: مطالعة الجناية بالنظر إلى ما سلف من الإساءة، فيشمر لتخليص نفسه من رق الجناية بالاستغفار والندم، ويمحص نفسه من خبث الجناية بالتوبة والاستغفار، وفعل الحسنات الماحية.
الثالثة: الانتباه لمعرفة الزيادة والنقصان من الأيام، فيتدارك ما فاته في بقية عمره، ويستغل أوقاته فيما يقربه إلى الله عزَّ وجلَّ.
إن الإسلام ميلاد جديد للإنسان، يخضع فيه العبد لربه، ويتوجه إليه في جميع أحواله، ويمتثل أمر من خَلَقه، ويشكر من رَزَقه، ويتشرف بطاعته.
فالعبودية لله مرتبة عالية، ومنزلة سامية، ورتبة كريمة، ولا يأباها إلا كافر بنعمة الخلق والإنشاء.
والله سبحانه لا يريد من عباده أن يقروا له بالعبودية وأن يعبدوه وحده لأنه بحاجة إلى عبوديتهم وعبادتهم، ولا لأنها تزيد في ملكه تعالى، ولكنه سبحانه يريد لهم أن يعرفوا حقيقة الربوبية، وحقيقة الألوهية، وحقيقة العبودية.
فلا يمكن أن تستقر التصورات، ولا أن تستقر الحياة وتنتظم إلا بهذه المعرفة الشاملة.
يريد الله تبارك وتعالى أن يستقر الإيمان في نفوس الناس وفي حياتهم، ليخرجوا
من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ليعرفوا مّنْ صاحب السلطان في هذا الكون، وفي هذه الأرض.
فلا يخضعوا إلا له، وإلا لمنهجه وشريعته، وإلا لمن يحكم حياتهم بمنهجه وشرعه دون سواه.
يريد سبحانه أن يعرف الناس أن العبيد كلهم عبيد فقراء، ليس فيهم رب ولا إله.
ألا ما أجمل الحياة إذا تعلقت نفوس البشر بالله وحده، وتعلقت قلوبهم برضاه، وتعلقت أعمالهم بتقواه، وتعلق نظام حياتهم بإذنه وشرعه ومنهجه دون سواه.
وأما ما يجزيهم به في الآخرة فهو كرم منه وفضل وفيض من عطاء الله.
والذين يستنكفون عن عبادة الله يذلون لعبوديات أخرى في هذه الأرض لا تنتهي.
يذلون لعبودية الهوى والشهوة .. أو عبودية الوهم والخرافة .. ويذلون لعبودية البشر من أمثالهم .. ولهم في الآخرة عذاب أليم: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) } [غافر: 60] .