وجه له، وأما كونها للتعليل فبناء عَلَى أن تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية ولهذا لم يعد
أئمة البلاغة كون الوصف للتعليل من فوائد الوصف وقد عرفت أن الربوبية شاملة للخالقية
وإفراد الخلق وذكره بعده للتأكيد وللإشعار بأنه أصل الأصول لكونه أول نعمة موجبة يجب
الشكر عليه أولًا، والظَّاهر أنه عام من الربوبية كما عرفت حيث لم يعتبر في مفهومه تبليغ
الشيء إلَى كماله كما في الرب فذكره بعده مع أن الْمَشْهُور عكسه للتنبيه عَلَى تقدمه عَلَى
التَّرْبيَة في الوجود كما أفاد مثل ذلك في قَوْله تَعَالَى: (وَكَانَ رَسُولًا نَبيًّا) من
سورة مريم.
قوله: (ويحتمل) احتمالًا مرجوحًا (التَّقْييد والتوضيح) والاحتراز عن الآلهة التي
يسمونها أربابًا زيف هذا الاحتمال؛ إذ الاحتمال الأول راجح؛ إذ كون الخطاب عامًا للْمُؤْمنينَ
والْكَافرينَ هُوَ الصواب عنده وهو في نفس الأمر كَذَلكَ حيث بين عمومه وشيد أركانه حتى
ذهب إلَى أن ما روي عن علقمة لاءَم صحة رفعه إلَى النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ولو سلم صحته لا
يوجب التَّخْصِيص وهذا الاحتمال بناء عَلَى التَّخْصِيص كما قال(إن اختص الخطاب
بالْمُشْركينَ)بناء عَلَى ظَاهر ما روي عن علقمة وما بني عَلَى المرجوح مرجوح، فلا وجه لما
قيل إن الأوضح هذا الاحتمال والتَّقْييد معناه التَّخْصِيص أي تقليل الاشتراك الناشئ من
إطلاق الرب عَلَى الآلهة التي يسمونها الخ. أَيْضًا بخلاف الخالقية فإنها مَخْصُوصة
عندهم به تَعَالَى: قال (وَلَئنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)
الآية. والصّفَة التي تقلل الاشتراك تسمى مخصصة ولو في المعرفة، والتي ترفع
الاحتمال تسمى موضحة ولو في النكرة في اصْطلَاح الْمَعَاني وتَخْصيص التَّخْصِيص
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: ولا يمتنع هذا الوجه. أي أن تكون الصّفَة جارية عَلَى المدح في خطاب الكفرة لأنهم
يقولون الرب الحقيقي هُوَ الله تَعَالَى وآلهتنا شفعاؤنا عنده فإذا سمعوه من جانب الرب تَعَالَى لم
يشتبه عليهم أنه هُوَ الرب الحقيقي إلا أن الوجه الأول وهو جعل الصّفَة مادحة، والخطاب عام
أوضح وأصح من جعلها مادحة، والخطاب خاص لأنه أظهر والنظم له أدعى لما سبق من قوله لما
عدد الله تَعَالَى فرق المكلفين إلَى قَوْله أقبل عليهم بالخطاب ولما سيأتي من أن(وَبَشّر الَّذينَ
آمنوا)عطف عَلَى (وإنْ كُنْتُمْ في ريب) وكلاهما تفصيل لقوله
تَعَالَى (يَا أَيُّهَا النَّاس) قال الرازي في بيان معنى قوله إلا أو الأول أوضح وأصح
أما أنه أوضح فلأن حال الكفرة يوجب أن يكون ربكم أعم، وأما أنه أصح فلأن الأغلب في الصّفَة
معنى التَّخْصِيص والتوضيح وحمل الْكَلَام عَلَى الأغلب أصح وقد اقتفى بعض المحشيين في حل
هذا التركيب أثر الرازي. أقول: أخذ الرازي من لفظ الأول في قوله ألا أن الأول أوضح وأصح ما
ذكره أولًا من أن الخطاب للمشركين ومعنى الرب عام والصّفَة مخصصة ونحن أخذنا منه أول الوجه
الأول من وجهي كون الصّفَة مادحة فإن مراده من قوله هذا الوجه في قوله ولا يمتنع هذا الوجه هو
وجه كونه الصّفَة مادحة والخطاب خاص بالْمُشْركينَ، وقد ذكر قبل هذا الوجه وجه كونها مادحة
والخطاب عام فيَنْبَغي أن يكون الْمُرَاد من قوله هذا الوجه ثاني ذلك الوجه وذلك الوجه هُوَ الأول
لا ما ذكره الرازي ويشهد به الاستثناء من لا يمتنع هذا الوجه فليتدبر.