وأما اختيار النور على النار وضوئها فلأنه المراد من استيقاد النار ؛ إذ هو أعظم منافعها ، ولكونه الأنسب بحال المنافقين ، الذين حُرموا الانتفاع والإضاءة ، بما جاء من عند الله ، ممَّا سمَّاه الله نورًا فِي قوله:"َقدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ" (المائدة: 15) ؛ فكأنَّ الله عزَّ شأنه أمسك عنهم النور ، وحرمهم الانتفاع به ، ولم يسمِّه سبحانه ضوءًا ، أو نارًا ؛ لتتأتَّى هذه الإشارة.
والنار جَوهرٌ ، لطيفٌ ، نيِّرٌ ، واشتقاقها من نار ينور ، إذا نفر ؛ لأن فيها حركة واضطرابًا ، وتنكيرها للتفخيم. ومن أخصِّ أوصافها: الإحراقُ والإضاءةُ.والإضاءة: فرط الإنارة. يقال: ضاءت النار ، وأضاءت ، وأضاءها غيرُها ، وما انتشر منها يسمى: ضوءًا. والفرق بينه ، وبين النور: أن الضوء ما يكون للشيء لذاته ؛ كما للشمس. والنور ما يكون من غيره ؛ كما للقمر. ومصداق ذلك قوله تعالى:"هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً" (يونس: 5)
هذا وقد اشتهر فِي العرف أن الضوء ، ينتشر من المضيء إلى مقابلاته ، فيجعلها مستضيئة ؛ ولهذا قال تعالى:"فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ"، فأضاف النور إلى المنافقين ، الذين اجتمعوا على ضوء هذه النار ، مع المجتمعين. فلو قيل: ذهب الله بضوئهم ، أفاد ذلك أن لهؤلاء المنافقين ضوءًا ؛ كما أن للنار والشمس ضوءًا. وهذا باطل. فهم مستضيئون ، لا مضيئون. وما انعكس عليهم من ضوء النار ، نتيجة استضاءتهم به هو نورهم ، الذي أمسكه الله تعالى عنهم ، وحرمهم من الانتفاع به. ولو قيل: ذهب الله بنارهم ، لفُهِم منه أن النار هي نارهم ، وأنهم هم الذين أوقدوها. وهذا خلاف المراد.