ولنا فِي الآية ملحظ . . ذلك أن الله عبَّر فِي جانب المنافقين بفعل رباعى:
"يخادعون"إذ أصله: خادع ، وهذا يقتضي مفاعلة بين طرفين مخادعٍ
ومخادعَ.
وفي جانب الذات العلية عبَّر بوصف من فعل ثلاثى لا مفاعلة فيه:
"خادعهم"من خدع . . فما السر إذن ؟
أرى - والله أعلم - أن الفعل:"يخادعون". على حسب تصورهم أن
الله مخادع أمام ألاعيبهم - فهنا طرفان من حيث الظاهر.
أما فِي جانب الله ، فإن فعله سبحانه موجه إليهم لا على سبيل الخداع وإنما
هو فعل واقع من قوى لا يخشى شيئاً ، على ضعيف يخشى كل شيء .
فليس - هنا - مخادعة كاملة الأطراف ، ولذلك خولف فِي الموضعين بين
صيغ العبارة ... ودليلي على ذلك القرآن نفسه .
فإنه فِي آية"البقرة"قال: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) . .
فهنا طرفان: مخادعٍ - وهم المنافقون - ومَخادَع - وهم الذين آمنوا ، فجاء
الفعل"يخادعون"من"خادع"المقتضى للمفاعلة بين طرفين.
وعندما بيَّن أن هذا الخداع غير مؤجه إلا إليهم أنفسهم جاء الفعل:
(وَمَا يَخْدَعُونَ إلا أنفُسَهُمْ) ، من"خدع"الثلاثى الذي لا مفاعلة فيه.
لأنه ليس هنا طرفان بل طرف واحد ، وإن صح هذا فذلك من دقة التعبير في
هذا الكتاب المعجز.
قال الراغب فِي: (وَهُوَ خَادعُهُمْ) : معناه مجازيهم بالخداع.
وقال سبحانه: (وَإن يُرِيدُواْ أن يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللهُ . .) . .
والكلمة هنا ورادة على المعنى اللغوي لا مجاز فيها . .
وقال:"يخدعوك"دون"يخادعوك"لأن الله حسبه فهو ليس موضع مخادعة - أعنى محمداً - صلى الله عليه وسلم -
-فلم يكن للخداع طرفان فجيء به من فعل لا يقتضي المفاعلة ، وهذا جار على المنهج الذي أبنَّاه آنفاً.
*"النفاق". . كلمة مدنية:
والخلاصة: أن هذه المادة"خدع"لم يستعملها القرآن إلا فِي سياق الحديث
عن المنافقين.