إبطاله، وبذل نفوسهم فِي قتاله، فصار بذلك معجزا لخروجه العادة كخروج سائر
المعجزات عنها.
واختلف من قال بهذه الصرفة على وجهين:
أحدهما: أنهم صرفوا عن القدرة عليه، ولو تعرضوا لعجزوا عنه.
والثاني: أنهم صرفوا عن التعرض له، مع كونه فِي قدرتهم ولو تعرضوا له
لجاز أن يقدروا عليه.
فهذه ثمانية أوجه، يصح أن يكون كل واحدٍ منها إعجازاً، فإذا جمعها
القرآن وليس اختصاص أحدها بأن يكون معجزاً بأولى من غيره، صار إعجازه من
الأوجه الثمانية، فكان أبلغ فِي الإعجاز، وأبدع فِي الفصاحة والإيجاز.
فصل
وإذا كان القرآن بهذه المنزلة من الإعجاز فِي نظمه ومعانيه، احتاجت ألفاظه
في استخراج معانيها إلى زيادة التأمل لها وفضل الرويَّة فيها، ولا يقتصر فيها على
أوائل البديهة، ولا يقنع فيها بمبادئ الفكرة، ليصل بمبالغة الاجتهاد وإمعان النظر
إلى جميع ما تضمنته ألفاظه من المعاني واحتملته من التأويل، لأن الكلام الجامع
وجوهاً، قد تظهر تارة، وتغمض أخرى، وإن كان كلام الله منزها من الآفتين:
الفكر والروية، ليعمل فيما احتمله ألفاظه من المعاني المختلفة، غير ما سنصفه
من الأصل المعتبر فِي اختلاف التأويل عند احتمال وجوده.
وقد روى سهل بن مهران الضبعين عن أبي عمران الجوني، عن
جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :"من قال فِي القرآن برأيه"
فأصاب فقد أخطأ"فتمسك فيه بعض المتورعة ممن قلت فِي العلم طبقته،"
وضعفت فيه خبرته، واستعمل هذا الحديث على ظاهرهن وامتنع أن يستنبط معاني
القرآن باجتهاده، عند وضوح شواهده، إلا أن يرد بها نقل صحيح، ويدل عليها
نص صريح، وهذا عدول عما تعبّد الله تعالى به خلقه فِي خطابهم بلسان عربي
مبين، قد نبه على معانيه ما صرح من اللغز والتعمية، التي لا يوقف عليها إلا
بالمواضعة إلى كلام حكيم، أبَان عن مراده، وقطع أعذار عباده، وجعل لهم سبلا