أحدها: أن وجه إعجازه، هو الإعجاز والبلاغة، حتى يشتمل يسير لفظه
على كثير المعاني، مثل قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ (فجمع في
كلمتين، عدد حروفهما عشرة أحرف، معاني كلام كثير.
والثاني: أن وجه إعجازه، هو البيان والفصاحة، التي عجز عنها الفصحاء،
وقصّر فيها البلغاء، كالذي حكاه أبو عبيد، أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ:
(فاصدع بما تؤمر (فسجد، وقال سجدت لفصاحة هذا الكلام، وسمع آخر
رجلا يقرأ: (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِياً (فقال: أشهد أن مخلوقاً لا يقدر
على مثل هذا الكلام.
وحكى الأصمعي قال: رأيت بالبادية جارية خماسية أو سداسية وهي
تقول:
أستغفر الله لذنبي كله
قتلت إنسانا لغير حله
مثل غزال ناعم فِي دله
فانتصف الليل ولم أصله
فقلت لها: قاتلك الله ما أفصحك، فقالت: أتعد فصاحة بعد قول الله عزَّ
وجلَّ: (وَأْوْحَيْنَا إِلَى أُمَّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمَّ وَلاَ
تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِ] إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكَ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (فجمع فِي آية واحدة،
بين أمرين، ونهيين، وخبرين، وإنشاءين.
والثالث: أن وجه إعجازه، هو الوصف الذي تنقضي به العادة، حتى صار
خارجا عن جنس كلام العرب، من النظم، والنثر، والخطب، والشعر،
والرجز، والسجع، والمزدوج، فلا يدخل فِي شيء منها ولا يختلط بها، مع كون
ألفاظه وحروفه فِي كلامهم، ومستعمله فِي نظمهم ونثرهم.
حكي أن ابن المقفع طلب أن يعارض القرآن، فنظم كلاما، وجعله
مفصلا، وسماه سورا، فاجتاز يوما بصبي يقرأ فِي مكتب: (وَقِيلَ
يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَآءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَآءُ وَقُضِيِ الأمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى
الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (فرجع، ومحا ما عمل، وقال: أشهد أن