وشيوع استعماله فِي الموجود لا ينتهض صارفاً إذ ذاك إنما هو لكون تعلق الغرض فِي المحاورات بأحوال الموجودات أكثر لا لاختصاصه به لغة ، وما ذكره مولانا البيضاوي من اختصاصه بالموجود لأنه فِي الأصل مصدر شاء أطلق بمعنى شاء تارة ؛ وحينئذ يتناول الباري تعالى وبمعنى مشيء أخرى أي مشيء وجوده الخ ففيه مع ما فيه أنه يلزمه فِي قوله تعالى: {والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ} [البقرة: 2 28] استعمال المشترك فِي معنييه لأنه إذا كان بمعنى الشائي لا يشمل نحو الجمادات عنده ، وإذا كان بمعنى المشيء وجوده لا يشمل الواجب تعالى شأنه ، وفي استعمال المشترك فِي معنييه خلاف ولا خلاف فِي الاستدلال بالآية على إحاطة علمه تعالى.
وأما ما ذكر فِي"شرحي المواقف والمقاصد"فجعجعة ولا أرى طحناً ، وقعقعة ولا أرى سلاحاً تقنا ، وقد كفانا مؤنة الإطالة فِي رده مولانا الكوراني قدس سره ، والنزاع فِي هذا وإن كان لفظياً والبحث فيه من وطيفة أصحاب اللغة إلا أنه يبتني على النزاع فِي أن المعدوم الممكن ثابت أولا ، وهذا بحث طالما تحيرت فيه أقوام وزلت فيه أقدام.
والحق الذي عليه العارفون الأول لأن المعدوم الممكن أي ما يصدق عليه هذا المفهوم يتصور ويراد بعضه دون بعض ، وكل ما هو كذلك فهو متميز فِي نفسه من غير فرض الذهن ، وكل ما هو كذلك فهو ثابت ومتقرر فِي خارج أذهاننا منفكا عن الوجود الخارجي فما هو إلا فِي نفس الأمر.
والمراد به علم الحق تعالى باعتبار عدم مغايرته للذات الأقدس فإن لعلم الحق تعالى اعتبارين أحدهما: أنه ليس غيراً والثاني: أنه ليس عيناً ، ولا يقال بالاعتبار الأول العلم تابع للمعلوم لأن التبعية نسبة تقتضي متمايزين ولو اعتباراً ، ولا تمايز عند عدم المغايرة ، ويقال ذلك بالاعتبار الثاني للتمايز النسبي المصحح للتبعية ، والمعلوم الذي يتبعه العلم هو ذات الحق تعالى بجميع شؤونه ونسبه واعتباراته.