قوله: (عَلَى أنه تَعَالَى) متعلق بنبه لكن دلالة قَوْلُه تَعَالَى: (ولو شاء اللَّه)
عليه بطَريق الاقتضاء(جعل لهم السمع والأبصار ليتوسلوا بها إلَى الهدى والفلاح، ثم إنهم
صرفوها إلَى الحظوظ العاجلة، وسدوها عن الفوائد الآجلة)والمنبه عليه ما أشير بقوله(وَلَوْ
شَاءَ الله لَجَعَلَهُمْ بالحالة التي يجعلونها لأنفسهم، فإنه عَلَى ما يشاء قدير)ليتوسلوا بها بأن ينظروا بالنظر
الصحيح إلَى الآيات المنصوبة في الأنفس والآفاق حتى بتبين لهم الحق ويذعنوا له، وهو
الْمُرَاد بالْهُدَى أي الدلالة الموصلة إلَى البغية والنفس وينالوا بذلك سعادة الدارين والنجاة عن
الخيبة والخسران في الكونين، وهو الْمُرَاد بالفلاح وبأن يسمعوا الحق بأُذن واعية ويرغبوا إليه
برغبة عالية حتى يفوزوا بعيشة راضية، ثم إنهم صرفوها ثم هنا للاستبعاد لا للتراخي في الزمان
إلى الحظوظ العاجلة بالانهماك في الشهوات الفانية من المبصرات والمسموعات المهلكة، ولو
شاء الله لجعلهم بالحالة التي يجعلونها أي يكسبونها ليتعدى الجعل إلَى مَفْعُول واحد كما أن
جعل في قوله عَلَى أنه تَعَالَى جعل لهم متعد إلَى مَفْعُول واحد لكونه بمعنى خلق ولما تعذر
هذا في المخلوق حمل عَلَى الكسب. والْمَعْنَى ولو شاء الله جعلهم بذلك لجعلهم متلبسين
بالحالة التي يجعلونها أي سمعهم وأبصارهم عليها من سدها وتعطيلها وجعلهم صمًا وعميا
حَقيقَة لكنه لم يشأ ذلك لحكمة دعت ومصلحة اقتضت فلم يكُونُوا صمًا ولا عميا حَقيقَة
ولكنهم تعاموا وتصاموا فلو هنا لانتفاء الثاني لانتفاء الأول، ويمكن حملها عَلَى أنها لانتفاء
الأول لانتفاء الثاني كما اختاره المصنف في صدر الآية.
قَوْلُه تَعَالَى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُمْ وَالَّذينَ منْ قَبْلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21)
قوله: (لما عدد فرق المكلفين وذكر خواصهم ومصارف أمورهم) أشار بذلك إلَى
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: بالحالة التي يجعلونها عَلَى البناء للمَفْعُول وضمير الْمَفْعُول للحالة وإلا لزم الاقتصار
على أحد مَفْعُولي الجعل الذي هُوَ من أفعال الْقُلُوب. والْمَعْنَى بالحالة التي يجعلون لأنفسهم تلك
الحالة أو يجعلون أنفسهم لتلك الحالة عَلَى أن يكون تعلق الجعل بالْمَفْعُول الأول القائم مقام
الْفَاعل أو بالثاني الْمُرَاد له من باب الحذف والإيصال، وفيه تكلف، أو عَلَى البناء للفاعل وهو الظاهر
والْمَعْنَى بالحالة التي يَفْعَلُونَها فحِينَئِذٍ لا يكون الجعل من أفعال الْقُلُوب ولا يلزم المحذور
الْمَذْكُور. انتهى انتهى {حاشِيَتَا القونوي وابن التمجيد، على تفسير البيضاوي. 2/ 306 - 340} ...