في ظلمات كثيرة أسباب عادية لذهاب سمعهم وأبصارهم بخلق الله تَعَالَى لكن عدم تعلق
المشيئة به كان مانعًا فلم يتحقق ذلك لكن ظَاهر كلامه هذا أن لو حمل عَلَى انتفاء الثاني
لانتفاء الأول وهو مسلك الْجُمْهُور فآخر كلامه لا يلائم أوله، فإما أن يقال أشار هنا إلَى ما
جوزه فيما سبق حيث قال فظاهرها الدلالة الخ. فبين الْمَعْنَى هنا عَلَى خلاف الظاهر
والإشَارَة إلَى المَعْنَيَيْن في الموضعين غير غريب عندهم، وإما أن يقال بأن لو هنا استدلالية
تفيد أن العلم بانتفاء المشروط التالي الموجود السبب الموقوف عَلَى الشرط يوجب العلم
بانتفاء الشرط فلا تناقض وفيه بحث لا يخفى.
قوله: (واقع بقدرته) لا تأثير للأسباب أصلًا فإنه قد يوجد المسبب ولا يوجد السبب كما
فيما نحن فيه وكما يوجد الأكل ولا يوجد الشبع، وَأَيْضًا قد يوجد المسبب بدون السبب (وقوله) .
قوله: (كالتصريح به) أي بالتَّنْبيه (والتقرير له) ولذا ترك العطف لكمال الاتصال
بَيْنَهُمَا وإيراده بالتَّأْكيد للمُبَالَغَة في تحقق مضمونه والاعتناء بشأنه وهذا دليل عَلَى الْمَذْكُور
قبله كأنه قيل إن اللَّه تَعَالَى قادر عَلَى ذلك لأنه شيء ممكن مقدور وكل شيء ممكن مقدور
فهو قادر عليه، ويفهم منه وجه آخر لإيراده بالتَّأْكيد ولما دخلت القدرة عَلَى إذهابه دخولًا
أوليًا فهو غير مصرح به لكنه كالتصريح لما ذكرناه. والتقرير له بالبينة فإذا ثبت أنه تَعَالَى قادر
على كل شيء ممكن لزم أن لا يكون غيره تَعَالَى قادرًا مؤثرًا استقلالًا أو جزاء لبرهان
التمانع. وقدرة العبد سبب عادي لتأثير قدرته تَعَالَى في أفعال العباد وقدرته تَعَالَى وتعلقها
تابعة لمشيئته وإرادته، فثبت أن جميع الأشياء الممكنة واقعة بمشيئته تَعَالَى فاتضح كون هذا
الْقَوْل الجليل كالتصريح بما سبق.
قوله: (والشيء يَخْتَصُّ بالموجود) أي في اصْطلَاح الأشاعرة وهم لا ينكرون إطلاق
الشيء عَلَى المعدوم مَجَازًا أو لغة، وفي هذه الآية يعم المعدوم أَيْضًا. أشار إليه المصنف
هنا ومراده بيان اصْطلَاح أهل السنة عَلَى الْحَقيقَة ولا مجال لإنكار إطلاقه عَلَى ما ذكرنا
فإنه تَعَالَى قادر عَلَى المعدوم حال بمعنى إن شاء وجوده أوجده وإن لم يشأ وجوده لم
يوجده كما أنه تَعَالَى قادر عَلَى الموجود حال وجوده. وجوده بمعنى أنه إن شاء عدمه أعدمه
وإن لم يشأ عدمه لم يعدمه، فيلزم التعميم إلَى الممكن الموجود والمعدوم.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: واقع بقدرته وهذا مُسْتَفَاد من إسناد ذهب إلَى الضَّمير الراجع إلَى اللَّه تَعَالَى لا إلَى
أسباب الذهاب الْمَذْكُورة في الآية المتقدمة لدلالته عَلَى أن المؤثر في وجود المسبب بعد انعقاد
أسباب حصوله هُوَ الله تَعَالَى لا الْأَسْباب.
قوله: كالتصريح والتقرير له، وإنَّمَا قال كالتصريح دون الصريح لأنه عام الْمَعْنَى شامل لجميع
المقدورات ويدخل فيه القدرة عَلَى إذهاب السمع والإبصار دخولًا أوليًّا بل هُوَ كإثبات الشيء
بالبرهان وتنوير الدعوى بالبينة لدلالته عَلَى أن القادر عَلَى الكل يلزمه أن يكون قادرًا عَلَى البعض.