{والله مُحِيطٌ بالكافرين} أي: لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط المحيط فإحاطته تعالى بهم مجاز تشبيهاً لحال قدرته الكاملة التي لا يفوتها المقدور أصلاً بإحاطة المحيط بالمحاط بحيث لا يفوته فيكون فِي الإحاطة استعارة تبعية وإن شبه حاله تعالى وله المثل الأعلى معهم بحال المحيط مع المحاط بأن تشبه هيئة منتزعة من عدة أمور بمثلها كان هناك استعارة تمثيلية لا تصرف فِي مفرداتها إلا أنه صرح بالعمدة منها وقدر الباقي فافهم.
وجوز أبو علي فِي {مُحِيطٌ} أن يكون بمعنى مهلك كما فِي قوله تعالى: {وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ} [البقرة: 1 8] أو عالم علم مجازاة كما فِي قوله تعالى: {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} [الجن: 8 2] وكل هذا من الظاهر، ولأهل الشهود كلام من ورائه محيط والواو اعتراضية لا عاطفة ولا حالية والجملة معترضة بين جملتين من قصة واحدة وفيها تتميم للمقصود من التمثيل بما تفيده من المبالغة لأن الكافرين وضع موضع الضمير وعبر به إشعاراً باستحقاق ذوي الصيب ذلك العذاب لكفرهم فيكون الكلام على حد قوله تعالى: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هذه الحياة الدنيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} [آل عمران: 7 11] فإن التشبيه بحرث قوم كذلك لا يخفى حسنه لأن الإهلاك عن سخط أشد وأبلغ وفيه تنبيه على أن ما صنعوه من سد الآذان بالأصابع لا يغني عنهم شيئاً وقد أحاط بهم الهلاك ولا يدفع الحذر القدر وماذا يصنع مع القضاء تدبير البشر.
وجعل الاعتراض من جملة أحوال المشبه على أن المراد (بالكافرين) المنافقون ولا محيص لهم عن عذاب الدارين ووسط بين أحوال المشبه به لإظهار كمال العناية بشأن المشبه والتنبيه على شدة الاتصال مما يأباه الذوق السليم. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 174 - 175}