ثم لم يحضرني مثال للمكنية التمثيلية من غير باب الأمثال حتى كان يوم حضرت فيه جنازة ، فلما دفنوا الميت وفرغوا من مواراته التراب ضج أناس بقولهم:"اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة"فقلت إن الذين سنوا هذه المقالة فِي مثل هذه الحالة ما أرادوا إلا تنظير هيئة حفرهم للميت بهيئة الذين كانوا يحفرون الخندق مع النبيء صلى الله عليه وسلم إذ كانوا يكررون هذه المقالة كما ورد فِي كتب السنة قصداً من هذا التنظير أن يكون حفرهم ذلك شبيهاً بحفر الخندق فِي غزوة الأحزاب بجامع رجاء القبول عند الله تعالى فلم يذكروا ما يدل على الشبه به ولكنهم طووه ورمزوا إليه بما هو من لوازمه التي عرف بها وهو قول النبيء تلك المقالة ثم ظفرت بقول أحمد بن عبد ربه الأندلسي:
وقُلْ لمن لامَ فِي التصابي...
خَلِّ قليلاً عن الطريق
فرأيته من باب التمثيلية المكنية فإنه حذف المشبه به وهو حال المتعرض لسائر فِي طريقه يسده عليه ويمنعه المرور به وأتى بشيء من لوازم هذه الحالة وهو قول السائر للمتعرض: خل عن الطريق.
رابعها: تمثيلية تبعية كقول أبي عطاء السندي:
ذكرتككِ والخطيُّ يخطُر بيننا...
وقد نَهِلت منى المُثَقّفَةُ السُّمْر
فأثبت النهل للرماح تشبيهاً لها بحالة الناهل فيما تصيبه من دماء الجرحى المرة بعد الأخرى كأنها لا يرويها ما تصيبه أولاً ثم أتى بنَهلتْ على وجه التبعية ، ومن هذا القسم عند التفتازاني الاستعارة فِي (على) من قوله تعالى: {أولئك على هدى من ربهم} [البقرة: 5] وقد تقدم الكلام عليه هناك.