المرض ضربان: جسمي ونفسي ، وكلاهما خروج عن الاعتدال الخاص بهما ، فالجسمي: معروف ، والنفسي: كالجهل والجبن والبخل الوحسد والحرص وسائر الرذايل الخلقية وتسميتها بالمرض إما لكونها مانعة عن إدراك الفضائل ، كالمرض الملنع للبدن عن التصرف الكامل ، وأما لكونها ذريعة إلى سلب الحياة الحقيقة التي هي فِي الدنيا لسان صدق ، وفي الآخرة بقاء الأبد ، كما وصفه تعالى فِي قوله:
{وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} ، وأما الميل النفي به إلى الاعتقادات الرديئة ميل البدن المريض إلى الأشياء المضرة ، ويكون هذه الأشياء بصورة المرض قيل: ذوي صدر فلان ، ونقل قلبه ، وقال عليه السلام:"وأي داء أدوأ من البخل"، وقوله تعالى: {في قلوبهم مرض} عبارة عن نفاقهم وشكهم وعداوتهم ، وقول ابن مسعود - رضي الله عنه والحسن وقتادة رحمهما الله تعالى:"إنه شك ، وقول غيرهم: إنه حب الدنيا واتباع الهوى ، وقول آخر: إنه غم وآخر: إنه حسد ، وآخر: إنه السكون إلى الدنيا ، وكلها إشارات على سبيل المثال إلى أبغاض ما ينطوي عليه معنى المرض ولا خلاف بينهم فيه ، فمعنى قوله: {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} على أوجه ، الأول كما تقدم: أن ما أنزله الله يجري من النفس مجرى الغذاء الحافظ للصحة ، ومتى تناوله المريض الذي لم يزل مرضه لم ينفعه بل يضره ، والثاني: أن هذه الزيادة فِي المرض هي ما كان الله تعالى يؤتيه نبيه والمؤنين من إنعامه ويصير زيادة فِي مرض المنافقين وذلك كقولك لمن أعطاك شيئاً:"قد أكمدت عدوي وهو لم يقصج إكماده ، ولكن لما تولد من فعله بك ذلك صح نسبته إليه ، وعلى ذلك قوله الشاعر:
يا مرسل الريح جنوباً وصباً ...
إن غضبت قيس فزدها غضباً