فإن قيل: كيف وصف تعالى نفسه بأنه خادعهم فِي قوله: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} ؟ قيل هو على ما تقدم ، ووجه آخر فِي هذا اللفظ ، وإخوانه مما وصف الله تعالى نفسه به من الصفات التي تنزه تعالى عما يتصور من ظواهر معانيها نحو قوله تعالى: {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} ، وقوله: {وَمَكَرُوا مَكْرًا} وقوله: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} ، وقوله: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} كل ذلك قد قيل فيه قيول ، من تصوره متحرياً به الحقى ثلج قلبه ، واستقرب ما كان من قبل يستبعده ، وهو أن المكر والخديعة ، وإنما هو استنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبدي منه خلاف ما تخفيه ويتحراه مستعمله على وجهين: أحدهما: قاصداً به استنزال الغير عن ضلال إلى الرشد وذلك جميل ، وهو كما يفعله الأب البار بابنه من تحذير يستجره به إلى ترك شراً أو تعاطي خير ، فيقول:"خدعت ابني عما كان يتعاطاه من القبيح"، و"مكرت به حتى قبحته فِي عينه"، وقد علم أن هذا الفعل وإن أطلق عليه لفظ الخديعة والمكر فهو فعل حسن ، فإذا المكر والخديعة وإن كان لفظهما مستبشعاً فقد يقصد به وجه محمود ، وبالعكس من ذلك فعل العدالة ، فقد يتحراه الإنسان لاستغواء غيره وإضلاله مما يعد فساداً وجوراً وخديعة ومكراً ، قد يكون صلاحاً ورشداً وعدلاً ، وما يعد صلاحاً وعدلاً ورشداً قد يكون فساداً وجوراً ومكراً ، وبهذا النظر قال بعض التابعين:"كل قبيح من العبد فهو حسن من الله تعالى"ويعني بذلك أن الفعل يقبح ويحسن المقاصد ، ولهذا قال عليه السلام:"الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى"، وقال:"نية المؤمن خير من عمله"، وبهذا النظر قال بعض المحققين وقد سئل عن شيء يقبح إطلاقة
في الله تعالى مع ورود الشرع به ، فأنشد:
ويقبح من سؤال الشيء عندي ...