في الاسْتعَارَة كثيرة وقد يوجد في الْمَجَاز الْمُرْسَل كما يقال لفلان يد طولى أي قدرة كاملة
في الكرم والعلم وقد يوجد أَيْضًا في التشبيه وقد يكون للمجاز العقلي بذكر ما يلائم ما
هو له كما يكون للمجاز المرسل بذكر ما يلائم الموضوع له كذا في الرسالة الليثية وشرحها
ومن أراد التَّفْصيل فليرجع إليها وإلى كتب الْمَعَاني وفي قوله تَرْشيح للمجاز إشَارَة إلَى أنه
يجوز أن يكون تَرْشيحًا له سواء كان مَجَازًا مرسلًا أو اسْتعَارَة اصْطلَاحية ولذا لم يقيده
بالمرسل فإن الاشتراء يجوز أن يكون هنا مَجَازًا مرسلًا واسْتعَارَة لغوية أو اسْتعَارَة
اصْطلَاحية كما مَرَّ تَوضيحُهُ، وإنما كان تَرْشيحًا لأن قرينة الْمَجَاز مَفْعُوله أي الضلالة وقد
عرفت أن التَرْشيح غير القرينة المعينة ولهذا قال (لما استعمل الاشتراء في معاملتهم) بقرينة
الْمَفْعُول اتبعه ما يشاكله أي ما يناسبه وهو عدم ربحهم في تجارتهم.
قوله: (في معاملتهم) وإنما عبر بها ليعم الْوُجُوه السابقة وفي معاملتهم أَيْضًا مَجَازًا إذ
هي بمعناها العرفي من ملائمة البيع والشراء الحقيقيين واستعملت هنا بمعنى اختيار الضلالة
على الهدى أو الرغبة عن الهدى والإعراض عنه فإن الاختيار الْمَذْكُور والإعراض المزبور
لا زمان للبيع والشراء ففيه من الفصاحة والبراعة ما لا يخفى.
قوله: (اتبعه بما يشاكله) أي ذكر عقيبه ما يناسبه وهذا أي تأخير التَرْشيح ليس بلازم
بل أكثرى ولهذا قيل التَرْشيح في اصْطلَاحهم إنه لفظ يذكر مع الْمَجَاز يناسب معناه المراد
منه ظاهرًا للمعنى المجازي سواه تقدم أو تأخّر انتهى. والتَرْشيح هنا أطلقه الْمُصَنّف عَلَى
نفس اللَّفْظ وقد يطلق عَلَى ذكر اللَّفْظ أَيْضًا واختاره [إذ] النزاع في كون التَرْشيح باقيًا عَلَى
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: اتبعه ما يشاكله نقل الفاضل أكمل الدين عن الشيرازي أنه قال إن التعقيب بالملائم قد
يكون تبعًا لاسْتعَارَة الأصل لا وجه له غيره كما في قولك رأيت أسدًا وافي البراثن عظيم اللبدتين
لا تقصد بذلك إلا زيادة تصوير للشجاع وأنه أسد كامل ولا تذهب فيه إلَى شيء كالبراثن وشيء
كاللبدة ومنه:
لَهُ لبَد أَظفَارُه لم تُقَلْم
وقد يكون مستقلًا مع الملائمة كما في قوله:
ولما رأيت النسر عز ابن داية ... وعشش في وكريه جاش له صدري
فإن طرفي الرأس بمنزلة الوكرين للنسر والغراب. وقيل هما الرأس واللحية كما في الآية. التي
نحن فيها فإنه لما استعار الشرى للاختيار وأدخله في جنس الشرى اتبعه ما يلائم الشرى من ذكر
الربح والتجارة وعدم الاهتداء إلَى رأس المال الذي هُوَ [الفطرة التي فطر الله النَّاس عليها]
المدلول عليه بقوله (وما كانوا مهتدين) زيادة تصوير لخسارتهم في
تلك الصّفَة فإن كل واحد من ذلك أمر ملائم للشرى ولما ذكر بعد تمام الاسْتعَارَة بقرينتها التي هي
تعلق الشرى بالضلالة صار تَرْشيحًا للاسْتعَارَة وفيه نوع تهكم بهم.