والحق الصريح أن كل من اعتقد ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، واشتمل عليه القرآن، اعتقاداً جزماً، فهو مؤمن، وإن لم يعرف أدلته، بل الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جداً مشرف على الزوال بكل شبهة. بل الإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل فِي قلوبهم فِي الصبا بتواتر السماع أو الحاصل بعد البلوغ بقرائن أحوال لا يمكن التعبير عنها.
وتمام تأكده، يلزمه العبادة والذكر، فإن من تمادت به العبادة إلى حقيقة التقوى وتطهير الباطن عن كدورات الدنيا، وملازمة ذكر الله تعالى دائماً، تجلت له أنوار المعرفة وصارت الأمور التي كان قد أخذها تقليداً عنه، كالمعاينة والمشاهدة، وذلك حقيقة المعرفة التي لا تحصل إلا بعد انحلال عقدة اعتقادات، وانشراح الصدر بنور الله تعالى.
(فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) (فهو على نور من ربه) . كما سئل صلى الله عليه وسلم عن معنى شرح الصدر، فقال: (نور يقذفه فِي قلب المؤمن) فقيل ما علامته؟ قال: (التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود) فبهذا يعلم المتكلم المقبل على الدنيا، المتهالك عليها، غير مدرك حقيقة المعرفة، ولو أدركها لتجافى عن دار الغرور قطعاً.
الفصل الثاني عشر: قضايا النجاة والشفاعة والرحمة الإلهية
لعلك تقول: أنت تأخذ التكفير من التكذيب للنصوص الشرعية، والشارع صلوات الله عليه هو الذي ضيق الرحمة على الخلق، دون المتكلم، إذ قال عليه السلام: (يقول الله تعالى لآدم عليه السلام يوم القيامة: يا آدم ابعث من ذريتك بعث النار) .فيقول: (يارب من كم؟) فيقول: (من كل ألف، تسعمائة وتسع وتسعين) .
وقال عليه الصلاة والسلام: (ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة، الناجية منها واحدة) .
الجواب: أن الحديث الأول صحيح، ولكن ليس المعنى به، أنهم كفار مخلدون، بل إنهم يدخلون النار، ويعرضون عليها، ويتركون فيها بقدر معاصيهم.